قصته لا تختلف كثيراً عن قصة الملايين من السوريين، ممن ذاقوا مرارة التهجير وفجيعة الحرمان من الأبناء، ولكن اللافت في تفاصيلها إرادته الدائمة، وسعيه للنهوض من جديد في كل مرة يتعرض فيها للضغط والصدمة.
يحيى عبد الرحيم حمادة، الملقب بأبو طلال (58 عاماً)، الذي أحب مدينته حمص، وشعر بأن جذوره تمتد في أرضها، ولم يتوقع يوماً أن يغيّر حيّه أو يترك جيرانه، لكن الحرب أجبرته على جمع بعض أمتعته والتنقل في المناطق السورية ليستقر اليوم في طرطوس.
بداية مأساته كانت في حمص نفسها، إذ خسر اثنين من أبنائه خلال الأحداث المؤلمة، هما عبد الرحمن وبلال وكانا في بداية العشرينات، الأمر الذي أثر عليه كثيراً وتعرض لما يشبه فقدان الذاكرة، ما جعل إمكانية استمراره بمواصلة عمله السابق أمراً صعباً، إذ أمضى أبو طلال سنوات شبابه، وهو يعمل سائقاً لسيارة أجرة بين حمص ولبنان، الأمر الذي أجبره على بيع السيارة بخسارة.
واستأجر بما بقي من ثمنها كشكاً في مدينته، وذلك بعدما نزح من منزله وانتقل لمنطقة أكثر أمناً، لكن الاضطرابات امتدت إلى خارج المدينة، ما أجبر أبو طلال وعائلته للسفر إلى محافظة طرطوس القريبة من حمص، والاستقرار هناك حيث تقيم ابنته مع عائلتها منذ عام 2011.
يقول أبو طلال، إن الأيام التي مرت عليه كانت صعبة كثيراً، ووجد نفسه فجأة عالة على الآخرين، ومضطراً للاستعانة بعائلة ابنته التي رحبت به شديد الترحيب، لكنه رفض الاستسلام، وهنا بدأت رحلته للبحث عن عمل، وفي البداية عمل بعقود مؤقتة مع بلدية المدينة، رغم قلّة العائد المادي.
ولكن هدفه كان الاستقرار في المدينة الجديدة التي امتلأت بالنازحين والمهجرين. وبالتزامن مع هذه الفترة بدأ بالتردد إلى مقهى هناك يشرب فيه قهوته الصباحية ويدخن، ولأن أصحاب المقهى اعتادوا عليه بدأوا يعاملونه بلطف ويقبلون تأجيل تسديد ما يترتب عليه من مبالغ لحين تحسن وضعه.
وفي إحدى المرات اقترح عليه أحدهم العمل في تنزيل بضائع الركاب من المرفأ مقابل مبالغ بسيطة، فقبل بسرعة، ومن يومها لم يتوقف عن ممارسة هذا العمل، كما ساهم في بناء استراحة للمرفأ مع عدد من العمال، وحصل على ثقة مالكها الذي سلّمه الإشراف عليها.
واليوم يبدأ صباحه أبو طلال مع الصيادين والمسافرين، حيث يفتتح أبواب الاستراحة، ويجهز الماء الساخن لإعداد القهوة والشاي، كما اعتاد الكثير من المسافرين القادمين من جزيرة أرواد المرور على استراحته لإلقاء التحية عليه وشراء المشروبات الباردة.
