مفارقات عديدة تعج بها الساحة السودانية في أعقاب إطاحة نظام «الإخوان»، الذي جسم على صدر البلاد لثلاثين عاماً تعد الأسوأ في تاريخه الحديث.
وفي مقدمة تلك المفارقات أن المفاوضات، التي اختيرت لها مدينة جوبا، التي كانت لوقت قريب جزءاً من السودان بل من أحب المدن وأقربها لنفوس السودانيين، تقوم بين ما يمكن تسميتهم «الحلفاء الأعداء»، الذين تقاسموا بكل يسر وسلاسة تضحيات إسقاط النظام «الإخواني»، فيما استعصى عليهم تقاسم السلطة التي آلت لهم عقب سقوط البشير.
و«جوبا» عاصمة دولة جنوب السودان تقع على الضفة الغربية لبحر الجبل، أحد أجزاء نهر النيل، وتبعد عن «الخرطوم» بنحو 1280 كيلو متراً، وكانت المدينة حتى العام 2005 عاصمة المديرية الاستوائية، إضافة إلى كونها العاصمة الإدارية لجنوب السودان.
وتُعد ميناء نهرياً، حيث تمثل النهاية الجنوبية للخط الملاحي الذي يربط الخرطوم بجنوب السودان عبر نهر النيل، كما أنها ملتقى طرق لسيارات دولية عدة، حيث يتفرع منها طريق إلى أوغندا وآخر إلى كينيا وثالث إلى زائير. وتضم مطاراً وهي مركز تجاري للمحاصيل الزراعية التي تزرع في المناطق المحيطة بها، حيث يتجمع فيها كل من البن والتبغ ومنتجات الفِلْفل الحار والجلود.
وقد عُقد فيها مؤتمر جوبا عام 1947، الذي حضره ممثلون عن إقليمي شمال السودان وجنوبه، وتقرر فيه توحيد الإقليمين في دولة واحدة، اسمها السودان وواجه ممثلو الإقليمين التوجهات البريطانية التي كانت تسعى في ذلك الوقت إلى فصل إقليم جنوب السودان عن شماله؛ وضمه إلى أوغندا.
وتحاول جوبا التي باتت عاصمة لدولة جنوب السودان جمع الأطراف السودانية لتحقيق السلام، وتجاوز العقبات والخلافات التي ظهرت بين حلفاء الأمس أعداء اليوم في أعقاب سقوط نظام البشير وفي مقدمتها تقاسم السلطة.
وبدأت أمس بجلسة إجرائية في القصر الرئاسي الذي يقع بالقرب من حي«اطلع برة»، الذي شهد أحداثاً دموية راح ضحيتها عشرات الجنوبيين إبان إعلان نائب رئيس جمهورية جنوب السودان د. رياك مشار تمرده على حكومة بلاده قبل أن يعود بوساطة من الخرطوم.
ويقول القيادي السياسي والناشط في مجال السلام د. الشفيع خضر في مقال نشره، أمس، إن المفاوضات الحالية تصاحبها العديد من المفارقات أولها أولى هذه المفارقات، أن المحادثات هذه المرة لا تجري بين أعداء أو خصوم، وإنما بين حلفاء اشتركوا معاً في تأجيج نيران الثورة التي أطاحت خصمهم المشترك، وهي تلتئم في ظروف مغايرة عن الظروف السابقة في البلاد، فارضة واقعاً مواتياً كان.
ولا يزال، من الممكن استثماره لعقد هذه المحادثات داخل السودان.
ويزيد، وثاني المفارقات أن الجولة الأولى هذه مدتها شهر وستقتصر فقط على القضايا الإجرائية والتحضيرية. والمفارقة ليست فقط في اندهاشنا من تحديد فترة شهر كامل لمناقشة قضايا إجرائية بين حلفاء، وإنما في أن الحركات المسلحة إبان محاججاتها مع قوى الحرية والتغيير، كانت تطالب بتأجيل تشكيل السلطة المدنية لمدة شهر واحد، سيتم خلاله عقد اتفاق سلام شامل.
وليس الإجراءات فقط، بين الحركات والمجلس العسكري الانتقالي. وفي اتجاه د. الشفيع يذهب العديد من المراقبين، داعين الحركات المسلحة وممثلي الحكومة الانتقالية إلى الارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه البلاد وتجاوز العقبات كافة في سبيل الوصول إلى اتفاق سلام بأسرع وقت.
