كسر الغضب الشعبي في العراق الإجراءات الأمنية كافة التي اتخذتها الحكومة، وبات واضحاً أنه لا يمكن السيطرة على الاحتجاجات عبر القمع و«القناصة المجهولين»، وهو الأمر الذي رسّخ قناعة لدى العديد من القوى السياسية في العراق أن المطالب الجماهيرية هذه المرة ستقتلع العملية السياسية برمتها في حال عدم الاستجابة للمطالب، وبدأت هذه القوى بالقفز من سفينة عادل عبد المهدي الغارقة.
وفي تطور جديد، أعلن التيار المدني العراقي، الذي يضم شخصيات خارج الكتل السياسية الرئيسية المتقاسمة للمناصب، تأييده لمطالب المحتجين، وأن الوقت قد حان للتوجه نحو خيار تشكيل حكومة ذات صلاحيات استثنائية، تضم شخصيات معروفة بوطنيتها وكفاءتها ونزاهتها، وبعيداً عن نهج المحاصصة المقيت، وأن تشرع هذه الحكومة فور تسلم مهامها بالعاجل والملحّ، ومنه حفظ الأمن وتوفير الأمان، والتوجه الفعلي إلى حصر السلاح بيد الدولة.
وقال القيادي في التيار المدني سَلَم علي لـ«البيان»، إن من مهام الحكومة الجديدة المرتقبة، إعلان ضحايا الاحتجاجات شهداء الشعب، وإطلاق سراح جميع المعتقلين من المتظاهرين، والبدء بإجراءات جدية وملموسة لمكافحة الفساد، وتقديم المتهمين بمختلف مستوياتهم، خاصة الكبار منهم إلى القضاء، والبدء بحملة كبرى لبناء مساكن اقتصادية لائقة وتوزيعها على الفقراء، وكل من لا يملكون بيوتاً تؤوي عوائلهم، وتشكيل مجلس الخدمة العامة، واناطة كافة التعيينات في الدولة به، بما يضمن عدالة الحصول على فرص العمل أمام جميع المواطنين، وتخصيص رواتب شهرية للمواطنين الفقراء والشباب العاطلين عن العمل، بما ينقذهم من العوز والبؤس، وإلغاء الدرجات الخاصة غير المبررة، واعتماد برنامج آنٍ وسريع للنهوض بالقطاعات الإنتاجية، وبما يوفره ذلك من فرص عمل، مشيراً إلى أن هذه وغيرها من الإجراءات العاجلة، يمكن أن تطمئن الشارع العراقي الملتهب، وتلبي مطالب الناس المشروعة الملحة، ولأجل ذلك لابد أيضاً من رفع وتيرة وزخم حركة الاحتجاج والتزام سلميته.
انتخابات مبكرة
في السياق، صعّدت الكتل السياسية المشاركة في العملية السياسية من لهجتها ضد الحكومة، وبدأت بالدعوة إلى انتخابات مبكرة وتشكيل حكومة وحدة وطنية بعيدة عن المحاصصة.
ودعا رئيس الوزراء السابق رئيس ائتلاف النصر، حيدر العبادي لإجراء انتخابات مبكرة في العراق، وذلك بعد وقت قصير من دعوة مماثلة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وقال العبادي «نطالب بتجميد مجالس المحافظات واعتبار حكوماتها لتصريف الأعمال». فيما دعا زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الحكومة العراقية لتقديم استقالتها، والعمل على إجراء انتخابات مبكرة تحت إشراف أممي.
حقن الدم بحكومة بديلة
وأكد عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية، النائب محمد الكربولي في تغريدة على تويتر، أن «التظاهرات شبابية بامتياز وأكبر من أي انتماء سياسي»، مشيداً بالوعي الوطني العالي للشباب المتظاهرين، وولائهم للعراق، رغم عمليات غسل الدماغ ومحاولة تقزيم الشخصية العراقية، مبيناً أنه بالرغم من الأحداث المؤسفة التي رافقت تظاهرات الشباب السلمية، إلا أنها حملت معها ضوءاً ساطعاً لخروج العراق من النفق المظلم الذي دخله قبل عقد ونصف.
إلا أن تحالف الفتح المقرب من إيران، بزعامة هادي العامري، كان له موقف مناقض، وقال إنه «يخول رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بإجراء الإصلاحات المطلوبة بما في ذلك أي تعديل وزاري»، فيما انتقد المرجع الأعلى في العراق علي السيستاني، الحكومة العراقية، وحثّ كلا من القادة السياسيين والمتظاهرين على التراجع «قبل أن يفوت الأوان».
كذلك أصدرت «جبهة الإنقاذ والتنمية» التي يتزعمها أسامة النجيفي، بيانا دعت فيه إلى استقالة فورية للحكومة برئاسة عادل عبد المهدي، وتجميد عمل مجلس النواب. وأضافت أن «هذه المظاهرات تشكل استفتاءً شعبياً على فشل العملية السياسية، وعدم قدرتها على تقديم الأساسيات التي يمكن أن تقنع جماهير الفقراء والمحتاجين».
