أحيا الشعب الفلسطيني، أول من أمس، 28 سبتمبر، الذكرى التاسعة عشرة لانتفاضته الثانية «انتفاضة الأقصى» في وقت يواصل فيه إحصاء شهدائه ووداعهم، بعد أن انفجر كل هذا الغضب على القوة وفلسفتها، ليفرض على الجنرالات «حِسبة» مختلفة، إذ دخلت إرادة المقاومة على خط الدبابات وسائر «عائلة» الفولاذ القاتل. الصدور العارية، تلقّن الدرس بثقة عالية: لا مكان لهم هنا، وهنا لا مكان لنظريات الحرب وسيناريوهاته المعدّة بدقة في «معامل» القتل، خلف مكاتب «أرييل شارون».. هنا لا يعمل الفولاذ، وهنا يمطّ الأطفال ألسنتهم للفولاذ، ويجعلونه مهزلة، فهل فهم الدرس؟.

إرهاصات

سقوط الشهداء والجرحى كان مشهداً يومياً، «غضبٌ غضب» في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية، بوقفات شموخ دائمة، جسّدها الفلسطينيون بتلك الانتفاضة.. خرج الشبان المنتفضون يتصدون بكل بسالة لمجنزراتهم، قنابل الغاز منهم وإليهم، كان الشبان يعيدون قذفها تجاه الجنود غير آبهين بكل خواصها الكيميائية السامة، و«حاملين حجار»!.

بعد 13 عاماً على الانتفاضة الأولى التي عُرفت بانتفاضة الحجارة، اندلعت الانتفاضة الثانية، وكانت شرارتها الأولى من القدس المحتلة، ومن ساحات المسجد الأقصى المبارك، عندما تصدى الفلسطينيون لجولة رئيس وزراء الاحتلال آنذاك، أرييل شارون الاستفزازية في باحات المسجد، لتمتد الأحداث، وتشتعل كالنار في الهشيم.

مفاوضات بلا نتيجة، استيطان بلا حدود، بطالة وفقر.. في هذه الأجواء تفجّرت الانتفاضة، وصادف اندلاعها مع فشل القمة التفاوضية بين الفلسطينيين وقادة الاحتلال، في منتجع «كامب ديفيد» في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد أن شهد النشاط الاستيطاني الاستعماري في الأراضي الفلسطينية، ارتفاعاً ملحوظاً على مدار سنوات المفاوضات التسع، التي سبقت الانتفاضة، إذ قارب ما شهده هذا النشاط في خلال المفاوضات، ما شهده طوال ثلاثة عقود من الاحتلال!. ترافقت سياسة التوسع الاستيطاني هذه، مع هدم المزيد من المنازل والمنشآت الفلسطينية بحجة عدم الترخيص، وشق المزيد من الطرق الالتفافية و«وديان النار» التي تخدم المستوطنين، علاوة على اقتلاع المزيد من الأشجار، ومصادرة المزيد من الأراضي الزراعية وغير الزراعية.

علامة فارقة

كانت مفاوضات قمة كامب ديفيد، علامة فارقة في هذه المسيرة التي قادت إلى تفجير الانتفاضة، فعقب تلك القمة، التي اعتبرت الأكثر أهمية في مسيرة المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، منذ التوصل لاتفاق أوسلو، بدا الشارع الفلسطيني كأنما فقد كل إيمان له بجدوى هذه المسيرة الطويلة، التي بيّنت له أن الطرف الآخر لا يبحث عن حل سلمي، بقدر ما يبحث عن حساب الحقوق الوطنية والتاريخية الفلسطينية.

في تلك المرحلة، جاءت العروض التفاوضية الإسرائيلية، بشأن الحرم القدسي الشريف، وما تلاها من جدل حوله، توّج بالجولة التظاهرية التي قام بها زعيم المعارضة آنذاك أرييل شارون، والتي أعقبها تظاهرات فلسطينية غاضبة، وقيام شرطة الاحتلال بقمع المتظاهرين بوحشية، ما أدى إلى استشهاد ستة منهم، لتفجر كل ما اختزن من مشاعر يأس وغضب في نفوس الفلسطينيين على الاحتلال.

إنجازات

حققت انتفاضة الأقصى، إنجازات عديدة ملموسة، أبرزها توحّد الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وتوجيه رسائل حاسمة للطرف الآخر وللعالم، مفادها استحالة التعايش مع استمرار الاستيطان، ومع عملية تفاوضية مشلولة، لكنها تراجعت في سنواتها الأخيرة، عندما واجهت تحديات تراجع العمل الشعبي والجماهيري لصالح المواجهة العسكرية، التي تمتلك فيها قوات الاحتلال تفوقاً نوعياً غير قابل للجسر، وعدم وجود اتفاق فلسطيني واضح على أهدافها، وطرق عملها.