كشفت ساحة الصراع في سوريا على مدار السنوات التسع الأخيرة، طبيعة العلاقات الإقليمية والدولية، وحجم الصراع بين الأعداء والحلفاء على حد سواء، إذ باتت سياسات الدول الإقليمية والدولية في قمة الوضوح، فيما يجد المرء معاناة في فهم لماذا يتصارع الحلفاء أيضاً في هذه البقعة.

ثمة صراعات مكشوفة وعميقة في سوريا، مثل الصراع الأمريكي الإيراني في دير الزور، ومثل هذا النوع من الصراع يسهل فهمه ليس في الحالة السورية فقط، بل في المنطقة عموماً، إلا أن صراعات أخرى تحتاج إلى نوع جديد من التحليل والفهم.

للمرة الأولى ظهر الاتفاق الأمريكي الروسي العام في 2015، حين تقاسمت أكبر دولتين مناطق حرب داعش، فتولت الولايات المتحدة بالتحالف مع الأكراد - آنذاك - قتال تنظيم داعش شرق الفرات، بينما سمحت واشنطن وروسيا لتركيا عبر عملية درع الفرات بقتال داعش غرب الفرات، هذا الاتفاق الوحيد الذي جمع القوى الإقليمية والدولية بالشكل العام، إلا أن داخل هذه التفاهمات تناقضات أخرى.

عمق استراتيجي

العلاقات الأمريكية التركية ذات عمق استراتيجي تاريخي، سواء عبر العلاقات البينية بين الدولتين أو عبر حلف الناتو، وهما حلفاء في العديد من القضايا في المنطقة، إلا أن هذا التحالف يتخذ حالة الخصومة في الحالة السورية شرق الفرات، بينما ثمة تفاهم غرب الفرات.

ففي شرق الفرات؛ تحاول تركيا الانقضاض على حلفاء الولايات المتحدة (قوات سوريا الديمقراطية)، وهي لا تخفي نواياها بالقيام بعملية عسكرية، في الوقت ذاته، تقوم تركيا بتزويد واشنطن بمواقع ما يسمى بحرس الدين في إدلب، واستخدمت الولايات المتحدة قاعدة أنجرليك في أكثر من مرة لضرب مقرات حرس الدين، وتسعى أنقرة أيضاً إلى ضم واشنطن كحليف معها ضد التحالف الروسي الإيراني السوري رغم درجة التنسيق الروسي التركي الإيراني في مناطق خفض التصعيد.

هذا الشكل من التناقض في الميدان السوري، غيض من فيض في نمط العلاقات بين الحلفاء والأعداء، فقد اتفقت روسيا وإيران وتركيا نهاية العام 2015 على تأسيس مسار أستانا، ومنذ ذلك الحين بدأ التنسيق بين الطرفين عير خمس قمم بين رؤساء ما يسمى بالدول الضامنة، إلا أن هذه الدول الثلاث تعيش حالة من الصراع على نفوذ كل منها في مناطق الشمال.

فمثلاً بالنسبة لروسيا حاولت طوال المعارك الأخيرة في الشمال السوري تجنيب إيران المشاركة في هذه المعارك حتى لا تبسط سيطرتها على حزام مدينة حلب وإبعادها عن طرق التجارة الدولية بين حلب واللاذقية وحماة، في المقابل تشير معلومات أن إيران تسهل لجبهة النصرة إطلاق طائرات من دون طيار باتجاه قاعدة حميميم الروسية في اللاذقية.

وذلك نكاية بما تقول عنه إيران بالتنسيق الروسي الإسرائيلي في الجنوب السوري، إذ استهدفت إسرائيل مقرات للحرس الثوري الإيراني في ريف دمشق، ولطالما صرح مسؤولون إيرانيون عن العلاقة الروسية الإسرائيلية في هذا المجال.

تنسيق واضح

وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقات الروسية التركية، التي تنمو في مصلحة الجانبين أحياناً وتتناقض في مواقع عدة، فقد ظهر بشكل واضح هذا التنسيق خلال انسحاب الشرطة العسكرية الروسية من عفرين والسماح للجيش التركي باجتياح المدينة التي كانت تحت سيطرة وحدات حماية الشعب.

إلا أن روسيا الآن تقف في وجه تركيا في مناطق الشهباء التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، حتى إيران تقف في وجه الطموحات التركية بالقيام بعملية عسكرية، في إطار توازن النفوذ في الشمال السوري رغم تفاهمات سوتشي وأستانا وأنقرة بين زعماء هذه الدول الثلاث.

وكانت حرب المئة يوم في ريف حماة بعد فشل اجتماع أستانا في أبريل الماضي، حيث واجه الجيش السوري والروسي صعوبة في التقدم والسيطرة على مورك وخان شيخون، صورة واضحة لخلط الأوراق التي عمدت إليها تركيا، فبعد أن توقفت تركيا عن دعم الفصائل تغيرت خريطة المشهد العسكري وانسحبت الفصائل وتفوقت كفة الجيش السوري وروسيا.