لم تحقّق والدة الشهيد أنيس دولة أمنيتها في احتضان جثمان فلذة كبدها المفقود المغيّب في مقابر الاحتلال، إذ غيّبها الموت قبل أن تطبع على جبينه قبله الوداع الأخيرة وقبل أن تزرع على قبره وردة. انضم أنيس المولود في قلقيلية شمال الضفة المحتلة في العام 1944، لصفوف الثورة الفلسطينية في العام 1966، تدرب على الأسلحة وخوض الاشتباكات من خلال عمله ضابطاً احتياطياً في معسكرات الجيش الأردني، في أعقاب هزيمة 1967، ليشكّل مع رفيقه الشهيد عمر القاسم خلايا فدائية، لتعزيز العمل العسكري في الضفة المحتلة. وفي أواخر 1968، فجر أفراد مجموعته مقر الحاكم العسكري في نابلس، ليشتبك أنيس مع جيش الاحتلال للتغطية على انسحاب أفراد مجموعته التي عادت إلى الأردن، ويصاب برصاصة في ساقه ويعتقل بعد مطاردته ساعات.
تعرّض أنيس خلال فترة التحقيق معه وقبل أن يصدر بحقه حكم بالسجن أربع مؤبدات، لأبشع صنوف التعذيب من ضرب وحرمان من النوم وحبس في غرفة ضيقة وعزل في زنزانة انفرادية، والتعرض لموسيقى صاخبة وصدمات كهربائية، وغيرها، ما أدى إلى حدوث ضعف في عضلة قلبه.
وبعد 12 عاماً من الاعتقال وتحديداً في العام 1980، خاض أنيس إضراباً مفتوحاً عن الطعام إلى جانب مئات الأسرى، استمر 32 يوماً، عرف بإضراب نفحة، ليتعرّض أنيس بعد يومين من فك إضرابه لتدهور كبير في وضعه الصحي، بعد رفض الطبيب الإسرائيلي إعطائه العلاج، ما أدى إلى استشهاده بعد أن فقد الوعي، وفتح عينيه قبل أن تفارق روحه الحياة مبتسماً لرفاقه الأسرى ابتسامة الوداع.
جريمة حرب
انتصر الأسرى في إضرابهم التاريخي، وحققوا إنجازات تاريخية، وكأن استشهاد أنيس مثّل ثمناً لهذا الانتصار، إذ خرج من باحات السجن إلى مقابر مجهولة، لتتضاعف عذابات أهله الذين تجرعوا الأحزان عليه حياً وميتاً. التقت مراسلة «البيان» في إحدى الفعاليات الوطنية المطالبة بالإفراج عن جثامين الشهداء، مع حسن دولة شقيق الشهيد المفقود، والذي أكّد أنّ سلطات الاحتلال احتجزت جثمان أخيه بدلاً من تسليمه إلى ذويه، ليستكمل حكمه محبوساً تحت التراب، مرجحاً أن يكون شقيقه مدفوناً في ساحة معتقل عسقلان، وفق ما تسرّب إليه من معلومات مصدرها أسرى محرّرون.
تقدمت العائلة بشكوى لمركز القدس للمساعدة القانونية، لتبقى قضيته حية وقائمة، وقام المركز بنقل ملفه إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، فردت إسرائيل في جلسة المحكمة التي عقدت عام 2010 بأن «الجثمان مفقود»، ما يؤكد احتمالية سرقة أعضائه أثناء التشريح، وهذا بحد ذاته جريمة حرب. بعد 39 عاماً على استشهاد أنيس يزداد إصرار عائلته على استعادة جثمانه، رغبة في تنفيذ وصية الأم الراحلة بالعثور على جثمان ابنها وألا يبقى مفقوداً في مقابر الأرقام الإسرائيلية.
