أحمد النصيرات، شاب سوري يبلغ من العمر 34 عاماً، لجأ إلى الأردن مع عائلته خلال الأحداث الدامية التي شهدتها بلاده، تاركاً وراءه بلده وبيته وبيئته التي تربى فيها وتعود عليها، كما ترك أشياء عزيزة بالنسبة إليه، إنها الأشجار والزروع التي كانت محط اهتمامه وأسرته.

يقول أحمد لـ«البيان»: «شعور اللجوء وترك الوطن قاسٍ، لا يمكن وصفه بكلمات، ونحن كمزارعين حزنّا كثيراً على الأراضي والأشجار التي تُركت وحيدة، من جراء الحرب وعدم توافر العناية يبست وماتت».

ويضيف: «المزارع لا يتعلق فقط بوطنه وعائلته، فهناك عالم خاص به تم انتهاكه والتعدي عليه، فبيننا وبين هذه الأشجار والمزروعات حكايات وآهات وضحكات لا يمكن تعويضها بسهولة».

ويسرد أحمد حكايته بالقول: «منذ عام 2012 قدمت أنا وعائلتي إلى الأردن، وللخروج من صعوبة اللجوء وتحسين المحيط الذي نعيشه في مخيم الزعتري، بدأنا نزرع أشتالاً مختلفة ليصبح البيت الحديدي المتنقل الذي نعيش فيه محاطاً بالمزروعات، ما جعله مختلفاً عن بقية بيوت المخيم، وفي الشتاء نجمع مياه الأمطار لاستخدامها لاحقاً في سقي مزروعاتنا، وعلى الرغم أن التربة رملية وملوحتها عالية ولا تناسب الزراعة، فإننا تمكنّا بالتعاون من النجاح في زراعة أنواع متعددة»، ويصفني سكان المخيم بأنني «صاحب اليد الخضراء».

ويضيف أحمد في حديثه لـ«البيان»: «في فصل الصيف أزرع الكوسا واليقطين وغيرها، وفي الشتاء أركز على زراعة الورقيات الخضراء، من السبانخ والجرجير إلى الخس وغيره».

ويشير إلى أن «الفكرة بدأت صغيرة وتطورت مع الوقت، والآن أوزع هذه المنتجات الخالية من الهرمونات على الجيران والأقارب وكل من يود ذلك، وأرغب مستقبلاً في تطوير مشروعي ليصبح مصدراً لدخل أسرتي، وعلى الرغم من أن المساحات التي أزرع بها صغيرة، فإنها تنتج جيداً».

ويؤكد النصيرات أن «من تعوّد على الزراعة من الصعب أن يترك هذه العادة الجيدة، حالياً أزرع في أمتار قليلة، ومن يرغب في الشراء مني أمنحه بكل سرور، وأدرب أطفالي على فهم أساسيات الزراعة وكيفية التعامل مع المزروعات».

وأستدرك قائلاً: «وجودنا في الزعتري مربوط بزمن غير محدد، وإلى هذه اللحظة لم تتضح الصورة في سوريا، لذلك يجب أن لا تبقى حياتنا معلّقة بما يحدث، وأن نحاول أن نستعيد قدر الإمكان حياتنا الطبيعية».

نصيرات يرغب في تحدي العوائق المتمثلة في قلة المياه وعدم مناسبة التربة والأجواء الحارة، ويفيد أنه يبحث «عن مزروعات تتناسب مع أجواء مخيم الزعتري وتنمو بسهولة في التربة الرملية، ويبحث بشكل مستمر عن كل العوامل التي تسهم في زيادة النمو والإنتاجية».

وعلى الرغم من أن إنتاج أحمد ضئيل، فإنه يقول: «أفتخر بمنتجاتي لكونها بالدرجة الأولى عضوية، وإنني تغلبت على التحديات، بالطبع الزراعة أساس تطوير المجتمعات ولا تقل أهميتها عن الصناعة، ورسالتي لكل لاجئ سوري وغيره بأن لا يتردد أبداً في إطلاق عنان أفكاره وتنفيذها مهما كان نوع المشروع، فهو البداية لمستقبل أفضل، لأنه يجب علينا أن لا نعتمد على المساعدات فقط، بل أن نعتمد على أنفسنا».

ويوضح أن «عدد سكان الزعتري ليس قليلاً ما يشجّع على عمل مشاريع إنتاجية، وأصبح لدى قاطني المخيّم بعض المشاريع، واستطعنا، من خلال موارد قليلة، أن نثبت أننا قادرون على التغيير والابتكار والإبداع، فهناك من يزرع ويبني، وآخرون متخصصون في الغذاء والملابس وغيرها من الأساسيات، والنجاحات تشهد لنا، وسنستمر إلى حين العودة ونسهم في بناء سوريا».