تعيش تونس حالة من الاحتقان الانتخابي، ومن الصراعات المحتدمة بين المتنافسين على الرئاسة، في ظل غموض حول الشخصية التي ستفوز في الانتخابات الرئاسية، أو المرشّحين اللذين سيتجهان إلى دور ثان حاسم بينهما ينتهي بأحدهما رئيساً للبلاد.

صبّت استطلاعات الرأي قبل أشهر، نوايا التصويت لصالح شخصيات من خارج دائرة الحكم، أبرزها رجل الأعمال نبيل القروي الذي دخل المنافسة مدعوماً بأنصاره من المستفيدين من جمعيته الخيرية، أو المتابعين لبرامج قناته التلفزيونية، أو الباحثين عن وجه جديد يمتلك مقومات الدعاية عبر «خطاب شعبوي»، وفق ما يتهمه مناوئوه، مروراً بقيس سعيد الخبير الدستوري الذي لا يتكلم إلا العربية الفصحى، ويعّبر عن طموحات فئة من شباب الثورة من خلال صفحات على «فيسبوك» أكد في مناسبات عدة أن لا علاقة له بها، ما يطرح أسئلة حول هوية الماكينة الحقيقية التي تقف وراءه، رغم أن معطيات عدة تتحدث عن دعم يتلقاه من شباب الإخوان وحزب التحرير وبعض التيارات السلفية.

اُعتقل المرشّح نبيل القروي وزج به في السجن في قضية تقول السلطات القضائية والحكومية إنها حق عام تتعلق بغسل الأموال والتهرب الضريبي، فيما يصر أنصاره وعدد من الحقوقيين والفاعلين السياسيين والإعلام الغربي على أنها قضية سياسية تستهدف استبعاده من السباق الرئاسي بعد تصدره نوايا التصويت، إلّا أنّ هيئة الانتخابات كان واضحة في موقفها بأنّ المرشّح السجين سيخوض السباق في غياب حكم قضائي نهائي بحقه.

ويبدو أن اعتقال القروي لم يقلّص من حظوظه، بقدر ما أعطاه صك زعامة لم يكن يحلم به، إذ لا يزال يتصدر نوايا التصويت في استطلاعات الرأي غير المعلنة، رغم مخاوف الطبقة الحاكمة والنخب السياسية من وصوله لقصر قرطاج، وهو المتورط وفق الجهات القضائية في ملفات فساد، وفي علاقات يختلط فيها السياسي بالمالي، على غرار علاقاته بالإرهابي الليبي عبد الحكيم بالحاج التي كانت أثارت جدلاً واسعاً في العامين 2014 و2015.

جهة غامضة

وفوجئ المرشّح قيس سعيد، خلال فترة تقديم ملفات الترشح، أن الجهة الغامضة التي تدعمه فرطت في قائمة التزكيات الشعبية التي وعدته بها، قبل أن يحصل على تزكيات بديلة، ما يثير أسئلة حول هوية الجهات التي تقف وراءه، وهو الذي لم يسبق له العمل بالسياسة، أو الانتماء إلى أي حزب سياسي. ويلتبس المشهد الآن بشخصيتين مثيرتين للجدل تتصدران نوايا التصويت، إحداهما في السجن، والثانية لا علاقة لها بالدولة ولا بالعمل السياسي، إلا من خلال تصريحات نادرة للإعلام أو تدوينات على «فيسبوك».

في السياق، يحاول مرشّح حركة النهضة، عبدالفتاح مورو، عدم الاكتفاء بالخزان الانتخابي للإخوان، وهو خزان لا يكفي وفق مراقبين، للوصول بمرشح لقصر الرئاسة أو الدور الثاني، إلّا في حال تشتت بقية الأصوات، الأمر الذي يخشاه المنتمون لتيار الدولة المدنية الحديثة في ظل تعدد مرشحيهم، إذ إنّ ستة منهم ينحدرون من صلب حزب نداء تونس الذي كان أسسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي لإحداث التوازن مع الإخوان.

تحالفات محتملة

وحال أردنا حصر السباق في قائمة أولية، فإن أبرز المتنافسين هم نبيل القروي، وعبدالكريم الزبيدي، وقيس سعيد، وعبير موسى، ويوسف الشاهد، وعبد الفتاح مورو، ومهدي جمعة، في ظل تنافس الزبيدي والشاهد وجمعة على نفس الكتلة الانتخابية مع مرشحين آخرين مثل سلمى اللومي ومحسن مرزوق وسعيد العايدي. ولعل الثابت أنّ غموضاً سينتظم المشهد، بدءاً من انطلاق الحملة الانتخابية الإثنين المقبل ويستمر حتى اللحظة الأخيرة، في ظل مفاجآت تنتظر الجميع. إنّ من المؤكد أنّ الأيام المقبلة ستشهد تحالفات من داخل قائمة المرشّحين حتى لا تتوزّع الأصوات، وتفاجئ الساحة السياسية برئيس منتخب أهم ما يميّزه استفادته من تشتّت أصوات القوى المدنية الحداثية.

أبرز المرشّحين

لعل أبرز المرشّحين لرئاسة تونس الستة وزير الدفاع عبدالكريم الزبيدي المستقل المدعوم من حزبي نداء تونس وآفاق تونس، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد مرشح حركة «تحيا تونس»، ومديرة الديوان الرئاسي السابقة سلمى اللومي مرشحة حزبها الأمل، ومحسن مرزوق.

وتحظى المرشّحة عبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحر، بشعبية مهمة تؤهلها للعب على المراكز الأولى، إذ تتميز على بقية الطيف الحداثي البورقيبي، برفضها القاطع التعامل مع الإخوان، أو الاعتراف بهم أو الاعتراف بالربيع العربي والثورة التونسية. كما يظهر في المشهد مهدي جمعة، رئيس حكومة الكفاءات الوطنية في العام 2014، الذي يتزعم حزب البديل ويعتمد على فكرة الكفاءة ومبدأ الحداثة، ولا يخفي رفضه التحالف مع الإخوان.