دخل لبنان في قواعد اشتباك جديدة بين «حزب الله» وإسرائيل، فرضَتها «غزوة» الطيران الإسرائيلي المسيّر لأجواء الضاحية الجنوبية لبيروت، ليل السبت- الأحد الفائت، التي انتهت بسقوط طائرتين مسيّرتين، وتزامنت مع غارات جوية إسرائيلية على مواقع في ريفَي دمشق والقنيطرة، قالت إسرائيل إنّها استهدفت مواقع للحزب ولـ«فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني، تبعها في اليوم الثاني غارة على مقر للجبهة الشعبية - القيادة العامة في لبنان.
ووسط ترقّب عام حكم المشهد الداخلي على الخطّ السياسي- الأمني، لرصد تداعيات الخرق الإسرائيلي للسيادة اللبنانية، والتطوّرات المحتملة لهذا الأمر مع ارتفاع نبرة التهديدات، تجدر الإشارة إلى أنّه، وحتى الأمس القريب، كان لبنان محيّداً عن هذه العمليات، بفعل مظلّة دولية واسعة «نعِم» بها، حرصت كلّ الحرص على استقراره وهدوئه.
لكنّ هذا «الغطاء» ترافق مع تحذيرات وتنبيهات خارجية كثيرة وصلت إلى المسؤولين اللبنانيين بضرورة «لجْم» حزب الله وإعادته من سوريا، ومنعه من تطوير وتعزيز ترسانته في لبنان.
وكان التعويل الدولي كبيراً على أن ينطلق في بيروت مسارٌ جدّي هدفه وضع الحزب في كنف الدولة، عبر حوار وطني، يُفضي إلى إقرار استراتيجيّة دفاعيّة واضحة، تتلاءم وتعهّدات لبنان بـ«النأي بالنفس» وبتنفيذ القرارات الدولية، وعلى رأسها الـ1701 والـ1559. إلّا أنّ هذا لم يحصل، وقد بدا لبعض الناظرين إلى الوضع المحلي من الخارج، في الفترة الأخيرة، أنّ الحزب هو من جرّ لبنان الرسمي إلى خياراته، لا العكس.
وفي سياق متصل، ولليوم الثاني على التوالي، شهدت الحدود الجنوبية، من منطقة الوزاني وكفركلا وصولاً إلى بلدة العديسة، هدوءاً حذراً وترقّباً لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في القرى الحدودية، في ظلّ التصعيد العسكري الإسرائيلي وتوعّد «حزب الله» بالردّ.
كما غابت حركة دوريات الجيش الإسرائيلي الراجلة والمؤلّلة، فيما تمركز الجنود الإسرائيليون داخل مواقعهم المحصّنة على طول الخطّ الأزرق، في حين واصل الجيش اللبناني وقوات «اليونيفل» دورياتهما المشتركة كالعادة.
مخاوف وتحذيرات
ووسط هذه الأجواء، رفعت أوساط دبلوماسيّة، عبر «البيان»، من مستوى مخاوفها من اقتراب النار من سماء لبنان وحدوده، بعد تهديد حزب الله، دونما اعتبار للقرار الرسمي الغائب أو المغيّب في ظلّ عدم وجود استراتيجية دفاعية تحدّد الأدوار وترسم الحدود.
وذلك، في خضمّ المواجهة المتوسّعة بين الولايات المتحدة ومعها إسرائيل، وإيران ومعها أطراف المحور، والتي تعمّ أجواء المنطقة، عبر المسيرات الحربية، سواء في العراق أو سوريا، وصولاً إلى لبنان. إلى ذلك، دخل وزير الخارجية الأمريكي على خطّ التهدئة بين لبنان وإسرائيل، بعد العملية الأمنية الإسرائيلية، عبر «مسيّرة مفخّخة»، وأخرى استطلاعية في المبنى الذي تتواجد فيه الوحدة الإعلامية التابعة لميليشيات «حزب الله».
في حين أشارت مصادر سياسية متعدّدة لـ«البيان» إلى أنّ لبنان بات مجدّداً في «عين العاصفة». ذلك أنّ الاعتداء الإسرائيلي، طرح الكثير من الأسئلة في زمانه مع قرب الانتخابات الإسرائيلية، وفي ذروة التأزّم في الإقليم. كما في مكانه، في عمق الضاحية الجنوبية لبيروت.
لا لـ«الرماديّة»
وعليه، تفيد المصادر نفسها بأنّ القوى الكبرى حذّرت السلطات اللبنانية، في الساعات الماضية، من أنّ أيّ ردّ من قبل «حزب الله» قد تكون له تداعيات وخيمة على لبنان. ووفق معلومات توفّرت لديها، تشير المصادر إلى أنّ الضربات الموضعيّة الإسرائيلية على نقاط للحزب في لبنان مرشّحة للاستمرار في مقبل الأيام، إذا لم تتحرّك الدولة اللبنانية سريعاً وتبادر إلى استعادة قرارها السيادي.
وذلك، بمعنى أنّ لبنان دخل حقبة جديدة، تفرض على حكومته الخروج من «رماديّتها» وحسْم أمرها. فإمّا تعتمد خيار «المقاومة» وتتحمّل تبعاته، أو تفرض التزام جميع مكوّناتها بالبيان الوزاري ومقتضياته، وتُبعد لبنان عن النزاع الإقليمي وبراكينه.