مجدّداً، يخوض لبنان جولة جديدة في ملف ترسيم حدوده مع الأراضي الفلسطينية المحتلّة، يُتوقّع أن تتّسم بالإيجابيّة في ضوء تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري «حصول تقدّم إيجابي في ملفّ الحدود برّاً وبحراً»، مع إشارته إلى أنّ الاتفاق الذي يتضمّن سبع نقاط «قد تمّ إنجاز 90% منه، وبقيت نقطة واحدة ما زالت قيد البحث، تتعلّق بالتنفيذ برّاً وبحراً معاً». علماً أنّ لبنان لم يتلقَّ بعد جواباً نهائياً حول قبول الجانب الإسرائيلي بترسيم الحدود البريّة والبحريّة معاً.
وإذا كان ملفّ ترسيم الحدود البحريّة والبريّة بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلّة توقّف عند النتائج السلبيّة للزيارة الخامسة للموفد الأمريكي ديفيد ساترفيلد، إلا أنّ اهتمام واشنطن بمعالجة النزاع القائم لا يزال على الوتيرة نفسها من الحماسة مع انتقال المهمة إلى الخلف ديفيد شينكر. ذلك أنّ الإصرار الأمريكي على فضّ النزاع الحدودي بين بيروت وتل أبيب لم يتوّقف عند فشل مهمة ساترفيلد الأخيرة، التي أظهر فيها تراجعاً عن طرح رئاسة الأمم المتحدة للمفاوضات كما كان مقرّراً عند انطلاق مهمته، بل سيُستكمل مع خلفه شينكر الذي سيتصدّر المشهد السياسي اللبناني في الفترة المقبلة.
وكان التعثر أصاب التفاوض على الحدود البحريّة والبريّة مع الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، في ظلّ رفض إسرائيلي لطلب لبنان جعل الأمم المتحدة شريكاً في المفاوضات المرتقبة، لا حاضنة جغرافيّة فحسب، ومن ثم تنحّي مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد عن المهمة بعد انتهاء تكليفه وانتقاله إلى تركيا سفيراً لبلاده.
وعلى رغم المواقف السلبيّة التي سادت بعد زيارات السفير ساترفيلد كوسيط بين لبنان وإسرائيل، يبدو أن خلفه ديفيد شينكر عازم على إكمال المهمة بالزخم نفسه، لإيجاد مخرج يناسب الطرفين. وذلك، وسط تأكيد مصادر ديبلوماسية لـ«البيان» أنّ حركة الاتصالات بين بيروت وتلّ أبيب ستعاود مجراها قريباً، وأنّ الدبلوماسي شينكر سيزور الدول المعنيّة لاستكمال ما بدأه ساترفيلد، وسيقصد بيروت برؤية ومقاربة جديدتين للملفّ، تأخذان في الاعتبار إبعاد نقاط خلافية عن صيغة الحلّ، كانت شكّلت مادة تجاذب بين الطرفين المتنازعين.
واستناداً إلى المصادر الدبلوماسيّة نفسها، فإنّ واشنطن ماضية في معالجة النزاع، بما يؤمّن أجواء هادئة ومستقرّة على الحدود، لا تخرقها مناوشات سياسيّة وأمنيّة من الطرفين. أما مهمة شينكر، فلن تبدأ بشكل عملي إلا بعد جلاء صورة المشهد السياسي الإسرائيلي، في ضوء نتائج الانتخابات التشريعيّة المقرّرة في سبتمبر المقبل وهوية الحكومة الجديدة التي ستُشكّل، لجهة معرفة موازين القوى فيها.
«حزب الله» في الحسبان
وبانتظار عودة الوسيط الأمريكي الجديد إلى بيروت، وما يحمله في جعبته من أفكار جديدة، تجدر الإشارة إلى أنّ ملفّ الترسيم وُضِع في عُهدة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، وليس رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أو وزير الخارجية جبران باسيل، ذلك أنّ واشنطن تفضّل التعاطي مع برّي حصراً في هذا الملفّ، وهي، بحسب تأكيد أوساط سياسيّة متابعة لـ«البيان»، تفاوض الرئيس بري كممثل عن لبنان لضمان موقف إيجابي من حليفه «حزب الله»، والذي يمكن له أن يدحض أيّ موقف يتّخذه أيّ مسؤول آخر غير الرئيس بري.
الموقف الرسمي
أشارت مصادر سياسية معنيّة لـ«البيان» إلى أنّ لبنان الرسمي يرفض أن تكون مفاوضات ترسيم الحدود بضيافة الأمم المتحدة وبوجود الوسيط الأمريكي، وهو يصرّ على أن تكون الأمم المتحدة هي الراعية والضامنة للمفاوضات، تمسّكاً منه بمرجعية وشرعية المنظمة الدولية وإمكان اللجوء إليها عند كلّ خرق لبنود ما يتمّ الاتفاق عليه، على غرار ما هو قائم حالياً على «الخطّ الأزرق». وذلك، لكون الطرح في أن تتمّ المفاوضات بوجود الوسيط الأمريكي يعني أن يجلس الجانبان اللبناني والإسرائيلي وجهاً إلى وجه وأن يجلس الوسيط الأمريكي على رأس الطاولة وأن يأخذ بعملية الترسيم إلى غير مسارها ويحوّلها إلى مفاوضات مباشرة يرفضها لبنان في الأساس.