قصة

الطفل عبد الله.. روحه سبقته إلى المسجد الأقصى

ما زالت عائلة الطفل عبد الله غيث من مدينة الخليل تحت تأثير صدمة استشهاده. ورغم مرور قرابة الشهر، لا تزال غير مصدقة أن ابنها طوى خيامه راحلاً، وأن ابن الستة عشر ربيعاً لن يسلك طريقاً للعودة إلى أحضان أسرته، مستذكرة طريقة وداعه، وكأنه كان يعلم بما يخفيه القدر. ويروي والده، لؤي غيث، الذي نالت منه سجون الاحتلال، وحفظته عن ظهر قلب، أنه وعائلته، خرجوا من منزلهم في الخليل، صبيحة الجمعة الأخيرة من رمضان، وكانت وجهتهم في البداية، حاجز الاحتلال العسكري المعروف بـ «حاجز الـ 300»، لكن لدواعي تجنب الاكتظاظ على الحاجز المذكور، قرروا التوجه إلى حاجز «مزموريا» القريب من قرية دار صلاح، بين بيت لحم والقدس.

لم يتخيل الطفل عبد الله نفسه في الرحاب الطاهرة للمسجد الأقصى، لذلك نام ليلته السابقة وهو يحلم بتلك اللحظات، وفي اليوم التالي ذهب إلى تلك الرحاب، لكنه عاد غارقاً بدمائه، تماماً كما كان قبلها بساعات، غارقاً في أحلامه الوردية. كانت أسمى أمنياته، في ذلك اليوم المشهود، الوصول إلى القدس، كي يصلي الجمعة، ويحيي ليلة القدر في رحاب المسجد الأقصى، لكن رصاص المحتلين حال دون تحقيق أحلامه، فاخترق قلبه الغض النابض بحب القدس، ليلفظ أنفاسه الأخيرة، على بعد بضعة كيلومترات من أولى القبلتين.

ليلة القدر

هكذا ازدانت ليلة القدر، بدماء عبد الله، التي أسرجت في قناديل الأقصى، وكأنها تقول لنا: «سنصلي معاً وسوياً في المسجد الأقصى، وستكون ليلتي قدراً، بأن أفتدي ثالث الحرمين الشريفين بدمائي». لم يرتكب الطفل الملائكي أي ذنب أو جريمة، كل جرمه الذي استحق عليه رصاصة الغدر، أنه حاول اختراق أسلاكهم الشائكة والزائلة، فعاجلوه بالرصاص، ليرتقي إلى علياء المجد والخلود، في ليلة تهبط فيها رحمة السماء إلى الأرض.

كان الطفل الوسيم ينشد ليلة القدر، لكن قدره كان أقرب. كان قريباً من القدس، ويقابل مساجدها وكنائسها العتيدة وأسوارها العنيدة، كان قريباً من السجود في محرابها، لكن رصاص القتلة كان أقرب إلى حبل وريده وأحلامه، وحتى شعائره الدينية.

تأثير الصدمة

يقول والده: قادنا القدر إلى «حاجز الموت»، ولم نكن نعلم بأن رصاص الاحتلال يتربص بعبد الله، كي يسرقه من بيننا، ويحرمه من تحقيق أمنيته بالصلاة في المسجد الأقصى، لكن ما يخفف من مصابنا، أن الله اختاره في تلك الليلة المباركة. لقد كانت آخر أمنياته، أن ينال الشهادة في أكناف بيت المقدس.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات