أقفل الأسبوع الفائت في لبنان على الانقسام العميق والحاد الذي تسبّبت به «أحداث الجبل»، والذي لا يزال يحول دون استعادة الحكومة اجتماعاتها الدورية، بفعل الخلاف حول جدول أعمالها، بين المطالبة بالتصويت على إحالة أحداث «الأحد الدامي» في منطقة قبرشمون إلى المجلس العدلي قبل القيام بأي عمل آخر، وبين من يدعو إلى استئناف العمل الحكومي بانتظار الاتصالات الجارية لتطويق ذيول هذه الأحداث وتركها في الإطار الذي تُعالج فيه سياسياً وأمنياً وقضائياً.

وفي السياق، يجدر التذكير بأنّ لبنان كاد أن يعود إلى لعبة الدم الأحد الماضي، بعد إشكال مسلّح في منطقة قبرشمون (قضاء عاليه- جنوبي بيروت)، أودى بحياة شخصين وجرح آخرين. ويعود السبب إلى زيارة رئيس تكتل «لبنان القوي» وزير الخارجية جبران باسيل المنطقة، والتي سبقتها خطابات وُصِفت بأنها «تنكأ الجراح».

ولم يكن الاشتباك بين فئات لبنانية من المسيحيّين والدروز، كما جرت العادة في فترات متباعدة بين عامَي 1840 و1990، بل بين الدروز أنفسهم، وهو ما سمح، في مكانٍ ما، في تدارك الأمر وحصره على الفور. ذلك أنّ الاشتباك المسلّح في لبنان بين مذهبين أو طائفتين يعني حرباً أهلية، أما الاشتباك بين أبناء الطائفة نفسها فــ«فتنة سريعة».

قلق.. ومواقف رئاسيّة

ولم تتبدّل وجهة تداعيات حادث قبرشمون مع عطلة نهاية أسبوع مثقل بالإضطراب، تمدّدت مفاعيله إلى الحكومة فشلّت جلسات مجلس الوزراء، ولم يتمّ بعد تحديد موعد للجلسة المقبلة، الأمر الذي رفع منسوب القلق من إمكان إطالة الأزمة الطارئة، بكلّ ما يعنيه ذلك من انعكاسات سلبية على مجمل الوضع الداخلي.

ووسط القلق البالغ من تمدّد الأزمة لتصل إلى حدود شلّ العمل الحكومي، شدّدت مصادر سياسية عبر «البيان» من عدم العودة بسرعة إلى اجتماعات مجلس الوزراء للبتّ بالقضايا الحسّاسة التي تحتاجها البلاد، ونبّهت من خطورة عدم ترتيب الملفات التي على أهل الحكم والحكومة مقاربتها من ضمن مهل محدّدة قبل فوات الأوان.

فهناك كلام كثير حول الوضعين النقدي والاقتصادي في البلاد، عدا عن التحذيرات التي أطلقها صندوق النقد الدولي، ومعه عدد من مؤسّسات التصنيف الدولية، عدا عن التنبيه الفرنسي الجدّي للمسؤولين في الأيام القليلة الماضية، والذي يتصل بمصير مليارات مؤتمر «سيدر».

مؤشرات سلبية

ومع أنّ مصادر وزارية مطلعة نفت إمكان أن تكون الحكومة باتت محاصرة بأزمة فعلية، وتوقعت أن تثمر المساعي الجارية لمعالجة تداعيات التطوّرات الأمنية الأخيرة، فإنّ المعطيات الجدية التي برزت في الأيام الثلاثة الأخيرة لم تحمل مؤشرات متفائلة بالتوصّل سريعاً إلى حلول حاسمة لإنهاء تداعيات حادث قبرشمون وطيّ المطالبة بإحالة ملف الحادث على المجلس العدلي.

وذلك، وسط تصاعد نبرة الفريق الذي يطالب بإحالة الملف على المجلس العدلي، بما يوحي بمراوحة المساعي السياسية وعدم التوصّل إلى مخرج لهذه المسألة، بينما فُهِم أنّ أيّ موعد لجلسة مجلس الوزراء لن يكون ممكناً تحديده في الساعات المقبلة على الأقلّ تجنّباً لتعميق المأزق.

علماً أنّ انقسام مجلس الوزراء سيشكّل علامة سلبيّة للغاية، وسيترك آثاره على إنتاج الحكومة، الأمر الذي لا يرغب فيه رئيس الوزراء سعد الحريري ومعظم الأفرقاء الآخرين.

وفي السياق، رسم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون موقفه الواضح بعد «حادثة قبرشمون»، مع تأكيده أنّ التدابير التي اتخِذت في اجتماع المجلس الأعلى للدفاع «ستُنفّذ»، وأنّ مرتكبي الأحداث الأخيرة سيُقدّمون إلى القضاء لتأخذ العدالة مجراها الطبيعي.

والكلام الرئاسي طبيعي في حادث هزّ الوطن، لكن ارتداداته بدأت بالانحسار، ومركز الاهتزاز قيد المساعي لمعاودة الارتكاز. ذلك أنّ العمل على احتواء انعكاسات «حادثة قبر شمون» لا يزال مستمراً على المسارات الثلاثة السياسية، عبر جملة من الاتصالات بين مختلف الأفرقاء، والأمنية عبر تثبيت الأمن وتسليم المطلوبين، والقضائية عبر انطلاق التحقيقات لتحديد المسؤوليات.