حلّ موسم الحصاد في الأراضي الفلسطينية، وتسارعت أيامه، يسري فيها الدفء، محولاً السنابل الخضراء الطريّة إلى صفراء أميل إلى الجفاف، فسارع زارعوا القمح إلى حصاده.. بالحصادة الآلية والمنجل، كي لا تسرقهم حرارة يونيو الطالع.

قمح، و«فريكة»، وكذلك أكوام من التبن، نتاج موسم طيب، أحيته أمطار غير مسبوقة منذ سنوات، فإذا بالخير الوفير يزيد جذل جُنَاته، وهم يجمعونه حبة حبة، كحبات من الذهب.. وأي ذهب!.

إنه حصاد «الذهب الأصفر»، وفرحة ما بعد التعب بـ«خير السنة»، ودائماً الأرض الفلسطينية لوحة دائمة الجمال، لا سيما وأنها ترتوي بعرق الفلاحين، الذين يعملون على إنعاشها، وعندما يختلط العرق بالتراب، يكون العطاء الجزيل، والحصاد الوفير.

مشهد المزارعين، وهم يحملون «الشواعيب» والمناجل، فرحين مستبشرين في سهولهم الذهبية، لم يرق لقطعان المستوطنين، أو «قُطّاع الطرق» في هذا العصر، الذين أجبروا المزارعين في غير مكان بالضفة الغربية، على بدء موسم الحصاد على عجل، لا سيما بعد تصعيد الهجمات التي ينفذها هؤلاء، من خلال إحراق مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، وفي أحيان كثيرة، سرقة محصول القمح، أكان بحصاده من الأرض مباشرة، أو بمصادرته بقوة السلاح من أيدي المزارعين، وهم في طريق عودتهم من حقولهم.

قرية بورين

في قرية بورين جنوب مدينة نابلس، اضطر المزارعون لحصاد سنابل قمحهم، قبل أن تنضج تماماً، حتى لا تطالها نيران المستوطنين المتطرفين، كعادتهم في مثل هذا الوقت، حيث تعرضت حقول القرية في سنوات سابقة، لاعتداءات كثيرة، تمثلت بالحرق والاقتلاع وإتلاف المحاصيل، أو سرقتها.

المزارع خليل النجار، أوضح أن قريته تنتج ما يقارب الـ400 طن من الحبوب سنوياً، لافتاً إلى أن الموسم الحالي يعدّ الأفضل منذ عدة سنوات، نتيجة لوفرة الأمطار، لكن محاولات المستوطنين المتكررة للاستيلاء على تعب الفلاحين، أجبرت الأهالي على البدء بالموسم في غير موعده، في «ضربة استباقية» لغزوات هؤلاء، على خيرات الأرض الفلسطينية.

أضاف لـ«البيان» وهو يتصبّب عرقاً وقد لف رأسه بالكوفية الفلسطينية التي لا يتخلى عنها الحصادون: «أمام اعتداءات المستوطنين، التي اعتدنا عليها في موسم الحصاد بالذات، قرر مزارعو القرية، تعجيل الحصاد هذا العام، كي يجنوا ثمار تعبهم، الذي يبدأ بحراثة الأرض، مروراً بالبذار، والتعشيب، وصولاً للحصاد، الذي ينتظره الفلاحون بفارغ الصبر، وكي يفوتوا الفرصة على الاحتلال ومستوطنيه، بالتنغيص عليهم، وسرقة محصولهم الذي يطلقون عليه «الذهب الأصفر» ويبذلون في سبيله الجهد والعرق».

اعتداءات

وتحيط المستوطنات بقرية بورين، إحاطة السوار بالمعصم، وتتعرض القرية لاعتداءات وحشية من قبل المستوطنين، في مختلف المواسم الزراعية، كقطف الزيتون، وحراثة الأرض، وموسم الحصاد، وينتج عن هذه الاعتداءات أضرار بالغة، أكان على مستوى الأهالي، ومحاربتهم في مصدر رزقهم، أو الثروة الحيوانية.

ولعل أخطر ما في الأمر، أن مستوطني «الكابوي» ولصوص الأرض، المعروفين بـ«ساكني التلال» وعصابات «تدفيع الثمن» وغيرها، لديهم قناعات عقائدية، بأحقيتهم في الأرض الفلسطينية وخيراتها، وهذا ما تبدّى بوضوح، من خلال الاعتداءات التي نفذها هؤلاء بموسم الحصاد الحالي، عندما قال أحدهم لمزارعي بورين: «هذه أرضنا، وكل ما تنتجه هو حق لنا»، بل إن وقاحتهم تجلّت بقول مستوطن آخر: «لكم أن تزرعوا ولنا أن نحصد»!.