على طريقة بعض الأقاليم الانفصالية في دول أوروبية، تلجأ حركة النهضة الإخوانية في تونس، إلى تقديم أوراق اعتمادها للغرب، من بوابة إسرائيل.

بدا ذلك واضحاً في ذروة توجّهات الحركة، حين كشفت قناة تلفزية إسرائيلية قبل بضعة أيام، عن زيارة وفد إسرائيلي قوامه قرابة ألفين إلى تونس، ومواصلته الاختراق، وصولاً للمنزل الذي اغتال فيه جهاز الموساد الإسرائيلي القائد الفلسطيني خليل الوزير «أبو جهاد»، في ضاحية سيدي بوسعيد التونسية في أبريل من عام 1988.

حركة النهضة الإخوانية، التي ركبت صهوة الحراك التونسي في عام 2011، باعتبارها القوة الوحيدة المنظمة والمدعومة من أوساط دولية، احتضنت قادتها الهاربين، شكّلت أولى حكومات ما بعد رحيل الرئيس السابق زين العابدين بن علي، لكن حكمها لم يمر هادئاً على الشعب التونسي، الذي ذاق منها مرارات تفوق ما سبقها، وقد خرجت تظاهرات ضدها، أحياناً لأسباب معيشية، وأحياناً أخرى احتجاجاً على ما جرى كشفه عن جهاز سري للحركة، قام بعمليات اغتيال لخصوم سياسيين، ومنهم شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

وهذا الأسبوع، فجر عشرات آلاف التونسيين غضبهم في وجه الحكومة التي تشارك فيها «النهضة» بفاعلية، احتجاجاً على الإهانة والطعن في السيادة التونسية، التي انطوت عليها زيارة إسرائيليين للبلاد، وإطلاقهم هتافات تمجد جيش الاحتلال الإسرائيلي، ومن بينهم من تقول تقارير إنهم أفراد في الكوماندوز الذي اغتال أبو جهاد.

لا تنصّل

لا تستطيع الحركة، ولم تستطع أن تتنصّل من الحدث، ولا من مشهديّة التقرّب من إسرائيل، إذ إن راشد الغنوشي رئيس الحركة، سبق له أن أدلى بتصريحات في الداخل، وشارك في محاضرات أمام لوبيات يهودية وإسرائيلية، محاولاً تقديم حركته كـ «تيار حداثي»، لا يتناقض لا مع الغرب ولا مع إسرائيل.

تونس تشهد انتخابات رئاسية في 10 نوفمبر المقبل، وحركة النهضة، التي تدرك أن امتداداتها الإخوانية في دول عديدة، يخسرون سلطوياً وشعبياً، تسعى للقول إنها «شيء مختلف»، ولهذا قدّمت إشارات اجتماعية انفتاحية اجتماعياً، وإشارات تقارب مع «إسرائيل» سياسياً، لنيل دعم الغرب.

نشطاء تونسيون كثيرون واكبوا الغضب الشعبي، من زيارة التبجح والتشفي التي قام بها الوفد الإسرائيلي لتونس، ومنزل أبو جهاد، بحملات لاذعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنهم من كتب «قاتل أبو جهاد يزور منزل أبي جهاد»، ومنهم من أضاف متسائلاً «هل هو تشفٍّ أم افتخار؟»، وذهب نشطاء آخرون وكتّاب إلى اعتبار ما جرى محاولات من بعض رموز «النهضة» أو المدعومين، منها بتقديم أوراق اعتماد إلى الولايات المتحدة وأوروبا، لدعمهم في الانتخابات المقبلة.

ما بعد بن علي

هذه المرحلة، تشبه ما بعد رحيل نظام بن علي، والاستعدادات للمرحلة الجديدة، حيث صدرت عن راشد الغنوشي رئيس «النهضة»، سلسلة تصريحات لافتة جداً، وفاضحة في مستوى استهدافها رضى «المجتمع الدولي»، عبر إسرائيل. في تلك التصريحات، كرر الغنوشي القول إن لا عداء لإسرائيل في الدستور التونسي الجديد.

يدرك الغنوشي ويعرف الجميع، أن الدساتير تمثل إطاراً قانونياً للدول، وليست المكان الذي توضع فيه مواقف محددة، لكن زعيم «النهضة»، أراد توصيل رسالة عبر موضوع مطروح في ذلك الوقت. لكن تصريحاته في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في نوفمبر 2011، كانت أشد وضوحاً في انقلابه على ما كان عليه سابقاً، وكرر القول إن تونس فقط هي ما تعنيه، و«إن القضية الفلسطينية تخص الفلسطينيين والإسرائيليين».

واضح أن الإسلام السياسي ينتهج طريق «الغاية تبرر الوسيلة»، ويعتمد مبدأ التمكّن والتمكين، وصولاً للأهداف التي يضعها نصب عينيه، وهو مستعد حتى للالتفاف 180 درجة، والتنكّر لمواقف سابقة والانتقال لنقيضها، في سبيل تمرير سياسات في جوهرها أجندات دولية، وإن أخذت الشكل المحلي.