قصة

ثمانيني يتمنى الغفوة الأبدية في قريته المدمّرة

لم يحتمل قلب الثمانيني عبدالقادر حمد استرجاع شريط ذاكرته إلى العام 1948، فتوقّف لسانه عن الحديث، وابتلع لعابه مرات عديدة، قبل أن تنهمر الدموع من عينيه، ويحاول جاهداً أن يخفيها بكفيه المتجعدين.

ثوانٍ من الصمت سادت المكان، مسح خلالها حمد دموعه، ليقول: «كنّا نحاول جمع أغراضنا ومقتنياتنا الضرورية، من منازلنا في قرية صبّارين، القريبة من حيفا، ولم نكن نتصور أن نرى مثل هذه المشاهد الإجرامية، ونحن الذين اعتدنا أن نستيقظ على صياح الديك، بعد سهر ليل طويل، على ضوء القمر، بين بيادر القمح، وحقول والزيتون والرمان والبرتقال».

كان الحاج عبدالقادر في عمر الحادية عشرة، عندما اقتحمت عصابات الاحتلال قريته، ليخرج متسللاً مع أقاربه، موضحاً: «خرجنا والذّعر يتملكنا، بعد أن أخرجوا أهالي القرية بقوة السلاح، فقد هاجموا السكان الآمنين بالعبوات المتفجرة، وحينها شاهدنا جنود الاحتلال وهم يذبحون طفلة من القرية، تبلغ من العمر 8 سنوات، دون أن نتمكن من فعل شيء، فلا أحد بيننا يملك سلاحاً، بينما هم مدججين بمختلف أنواع الأسلحة».

كما الشياه

«قتلوها بكل وحشية، وذبحوها كما الشياه، ثم وضعوها داخل الكيس الذي كانت تحمله»، قال حمد لـ«البيان»، واستذكر: «كان هذا أمام عيوننا، وكانت الطفلة تهمّ بملأ الكيس بالتبن لإطعام المواشي، فأوقفها الجنود المتعطشون لإراقة الدم، والتفوا حولها، وكانت مذعورة، وبدؤوا بغرس أسياخ الحديد في أنحاء جسمها، دون مراعاة لصرخاتها واستنجادها، فوقعت غارقة في دمائها، قبل أن يذبحوها في مشهد إجرامي، لا زال محفوراً في مخيلتي».

وتابع حمد: «مشهد ذبح الطفلة هذه لا يمكن أن أنساه، فهو يفوق كل مشاهد الإجرام والقتل التي شاهدتها في حياتي، وفي كل يوم أستذكر فيه النكبة الفلسطينية يتردد مشهد قتلها أمامي، وأسمع صراخها بأذنيّ، وينفطر قلبي من الحزن عليها».

أمل العودة

ورغم مرور أكثر من 80 عاماً من عمره، لم يفقد الحاج عبدالقادر أمله بالعودة إلى صبّارين، إن لم يكن له، فأولاده أو أحفاده، كما يقول، مشدداً على أنه لن يتنازل عن هذا الحق، وسيبقى متمسّكاً به على الدوام.

ويقول: «أشارك دائماً بالفعاليات الوطنية، كذكرى النكبة، ويوم الأرض، وغيرها، ولدينا رسالة للاحتلال، الذي اغتصب أرضنا، وشرّدنا من منازلنا، بأننا مهما كبرنا أو «هرمنا» لن نتنازل عن أرضنا المسلوبة، وخيراتنا المنهوبة، وفي حال انتهى أجلنا، فإن أبناءنا وأحفادنا سيكملون المشوار من بعدنا».

وتلتصق في ذاكرة المسنّ حمد قصص والديه التي كان يسمعها قبل أن يخلد إلى النوم، علاوةً على ما شاهده في سنوات الطفولة في صبّارين، حيث أجواء الفرح والمرح، واللهو مع أقرانه، وصور التكافل الاجتماعي بين الأهالي، التي كانت سيدة الموقف في تلك الفترة.

وأكثر ما يُشعر الحاج حمد بمرارة ولوعة التهجير من البلاد، عندما يقف عند السلك الفاصل، على مشارف قريته، وعن هذا المشهد يقول:»عندما أشاهد هذه المساحات الواسعة من أراضينا، الخالية إلا من جنود الاحتلال، وأسلاكهم الزائفة، أشمّ رائحة بلدي، بزهور اللوز والبرتقال، ولا أستطيع دخولها، أتمنى أن أعود إليها، كي أغفو بها غفوتي الأبدية».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات