بعد 71 عاماً على النكبة، ما زالت الأرض الفلسطينية معطاءة، فنوّار اللوز والمشمش والبرقوق، شقائق النعمان وقرن الغزال، تشكّل لوحة ربيعية تصرّ على البقاء، تبدو جميعها مثل «أوركسترا»، تؤدي نشيداً بصرياً يُغري بالقول: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».

طفولة المخيم، ما زالت تبحث عن شركاء اللجوء، فالأطفال لديهم انتماء كبير وعميق لبلدانهم، التي لم يقدّر لهم يوماً أن يروها، قد يفقدون الذاكرة، لكنهم لا يفقدون الهوية.

الطفلة آلاء شلباية (11) عاماً من مخيم الأمعري، أدركت مبكراً مدى قسوة وبؤس الحياة التي يعيشها اللاجئون، وسكنتها مشاعر مختلطة، ما بين الأسى والحزن على تهجير عائلتها، والشوق والحنين الجارف لقريتها «العباسية».

تقول آلاء لـ «البيان»، أشعر بالحنين الشديد لقريتي، وطالما حلمت باللعب واللهو في حاراتها، فهي من أجمل قرى فلسطين «هكذا أخبرني جدّي»، وما إن أسمع عن رحلة إلى الداخل المحتل، حتى أبادر إلى تسجيل اسمي للمشاركة بها، لكن لم يقدّر لي حتى الآن زيارة العباسية.

كأن آلاء التي بدت في أفكارها أكبر بكثير من سنّها، تتصور اللقاء مع قريتها، مشحوناً ومشوقاً، فهي تتخيل نفسها بين أحضان الطبيعة الخلابة، بين الأشجار الوارفة، وخيرات الأرض، وينابيع الماء، لكنها تصحو كل يوم على حياة قاسية، فتعيش في بيت من الصفيح، مياهه النقية معدومة، وتنساب المياه العادمة مكشوفة في شوارعه، ناهيك عن صعوبة العيش في ظل حالة من العوز والحرمان، لكن الأقسى والأصعب، أنها تعيش بعيداً عن وطنها.

رؤية مختلفة

اللاجئون في المخيمات الفلسطينية، أصبح لديهم رؤية مختلفة للتعامل مع قضيتهم، بعد 71 عاماً على النكبة، تقوم على الجديد والنوعي و«غير المطروق»، فنشهد حراكاً شعبياً لـ «مسيرات العودة» في غزة، منذ أكثر من عام، وتعزيزاً للوعي الشعبي بقضية اللاجئين في الضفة الغربية، والتمسك بحقوقهم التاريخية في القدس المحتلة، والحض على البحث والتفكير في مختلف جوانب قضيتهم في الشتات، ولم يعد اللاجئ يكتفي بجمع الوثائق والمفاتيح و«الكياشين»، وإن كانت هذه الأسلحة أحد أهم الركائز في قضية اللاجئين، منذ الخيام الأولى.

لم يدع الجلاد ضحيته وشأنها، بل واصل مطاردتها، مسكوناً بعقدة الذنب والخوف من لعنتها. هذا ما يثبته واقع المخيمات الفلسطينية، بعد 71 عاماً على النكبة. في المخيم، يقاوم اللاجئون الحصار والجوع، ويقاومون الاقتلاع، إلى جانب مقاومة مشاريع محو الذاكرة، التي تُبقي على حلم الاحتلال الأول، بمحو الذاكرة الحالمة بالعودة، إلى مكانها الأول، لتعيد ترتيبه من جديد.

تظهر تناقضات الحياة اليومية، فتجد عجوزاً يجلس على الأرض، هوَ هنا.. والقلب هناك، 71 عاماً والقلب هناك. جلس ليستريح 71 عاماً، ليستريح وقد هدّه التعب، فهو من هناك، وله ذكريات وطفولة، ولد كما يولد الناس، له والدة، وله بيت كثير النوافذ، ولسان حاله يقول: «سأقطع هذا الطريق الطويل الطويل.. إلى آخري وإلى آخره»!!

في المخيم، تجد طفلاً كبر قبل الأوان، يحمل كيساً من الطحين «حمله ثقيل لكن الهم أثقل».. في المخيم جداريات تجسّد معاناة اللاجئين، والحنين الجارف إلى الديار، لوحات على صفحة الزمن، لعلها تصحو يوماً على الحقيقة.