دغمان.. ثمانيني مهجّر فجّر رمضان براكين ذكرياته

لم تغادر ذاكرة المسن أحمد دغمان، طقوس شهر رمضان المبارك، في قريته الكفرين، التي هُجّر منها عنوة وبقوة السلاح، وعلى وقع المجازر، إذ ما زال يذكر أجواء الشهر الفضيل، ومراسم استقباله، وكيف كان يلحق مع أطفال القرية، المسحرّاتي، وهم يقرعون علب الحديد، ويرددون: «يا نايم وحد الدايم»، ليغنموا بعدها صدقة الفطر التي كانت عبارة عن قليل من القمح.

ويروي الثمانيني، وقد أخفت تجاعيد وجهه، حنينه الجارف لقريته، التي دمّرتها عصابات الاحتلال إبان النكبة في عام 1948، التفاصيل الدقيقة، لطقوس وعادات الشهر الفضيل قبل النكبة.

مبيناً أن والدته ونساء القرية، كنّ يذهبن في ساعات النهار، لقطف الخضراوات من أراضي الكفرين، القريبة من مدينة حيفا، كي يتفرغن في ساعات ما قبل الإفطار لتجهيز الطعام، وغالبيته من البُرغل، ويحضّرن معه شراب قمر الدين، الذي كان شائعاً في تلك الفترة، فضلاً عن الحلويات الرمضانية، وأشهرها على الإطلاق البحتة المكونة من الأرز والحليب، لتقديمها مع الإفطار، مستذكراً:

«كانت في القرية ملحمة واحدة، وكانت الأطباق السائدة في تلك الفترة، المفتول وشوربة العدس والفريكة، وكانت النساء تحضر الماء البارد في جرار الفخار، بعد تعبئتها من عيون القرية، وكانت الناس تعيش على البساطة، ومرتاحة في حياتها».

عادات حميمة

ويمضي دغمان في حديثه مع «البيان»: «كنا نكثر من الإفطار بشكل جماعي في ساحة القرية، وكان الجيران يتشاركون الإفطار مع بعضهم، ويتسامرون لساعات طويلة بعد صلاة التراويح، وأحياناً كانت جلساتهم تمتد حتى موعد السحور، ولا تخلو من الأناشيد والمدائح النبوية، كانت العادات أفضل، فلا يمكن لعائلة أن تتناول إفطارها قبل أن تهدي شيئاً منه إلى الجيران، وهذا ما نفتقده اليوم».

وروى دغمان كيف كان الأطفال يتجمّعون قرب المسجد قبيل الإفطار، وينطلقون مسرعين، فرحين مستبشرين، لدى سماع أذان المغرب، كي يخبروا عائلاتهم بدخول الإفطار، ومع هبوط الليل، يخرجون إلى الشوارع لإيقاد المشاعل المصنوعة من القماش، احتفالاً بالشهر الكريم، ويصنعون في يوم العيد المراجيح.

ويضيف: «رمضان يفتح جروحي، فهو يذكّرني بطفولتي في قرية الكفرين، التي كانت تشتهر بزراعة الحبوب والذرة البيضاء، وكانت تصدّر الملوخية الخضراء إلى حيفا، وكان تجار القرية ينقلون بضاعتهم على الجمال».

خريطة العودة

يستذكر دغمان، كيف أنّه لم يكن في القرية سوى جهاز راديو واحد، يملكه المختار أديب أبو نجمة، ومن خلاله يعلم الجميع بحلول شهر رمضان وحلول العيد، مضيفاً: "خلال النكبة، سمعنا عن المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في دير ياسين وغيرها، وكذلك استشهاد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل، ومن ثم توالت الأنباء عن سقوط القرى والمدن تباعاً، ليتم تهجيرنا بعد ذلك، لكننا ما زلنا نعيش على الأمل أن نرجع يوماً".

ورغم مرور 71 عاماً على النكبة، وتشريده وعائلته، ما زال دغمان يقتني خريطة لقريته الكفرين، تُبيّن منازل القرية ومواقعها، وأسماء أراضيها، كـ أم القرامي، البيادر، وادي العرايس، الحواكير، وادي الحنّانة وغيرها، مشدداً على أنه سيظل يحتفظ بها، كخريطة طريق للعودة، إن لم يكن على زمانه، فعلى زمن أولاده أو أحفاده.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات