صبا أبو عرار لحن طفولة لم يكتمل

كانت صبا أبو عرار، البالغة (14) شهراً، خفيفة على أكتاف المشيّعين في غزة.. فهؤلاء الذين شيّعوا وودّعوا آلاف الشهداء لم يعتادوا على جثمانٍ بهذه الخِفّة. كانت خفيفة، حملها المشيّعون، وحملتها معهم ملايين القلوب الحرّة الحيّة، فوق هذه الأرض.

كانت «صبا» خفيفة بما يكفي ليحتملها حضن الأم كي ترضع.. قطفوا صبا في صباها، ولم تعرف من الدنيا بعد سوى الرّضاعة!!.

كانت خفيفة على الأكتاف، لكن جريمة قتلها كانت وستظل ثقيلة وصاعقة على القلوب، فهي رحلت قبل أن تبدأ، وما زالت صغيرة وجميلة.

 

الصورة الأخيرة

لصبا صورة أخيرة قبل قتلها. في الصورة دفّأها والدها جيداً، وألبسها قبّعة كي تقيها البرد.. لم يعرف الوالد، أن قذيفة ستخرق سقف «الإسبست» لتقتل الطفلة في مهدها. حين صوّرها والدها، لم ترتبك أمام الكاميرا، لأنها ببساطة لا تعرف ما الذي يحدث.. صبا لم تعرف أي شيء عن الذي يحدث، ولن تعرف. لم تعرف الكاميرا.. ولم يعرف والدها أن مئات العدسات ستصوّر فاجعة تخصّها.

صوّرها والدها كي ترى صورتها عندما تكبر، فتضحك من نفسها، وتبتهج، وتشكر والدها، فتصوير الصغار يشبه «كميناً طريفاً».. لكن صبا لن ترى صورتها التي صارت «بوستراً» بعد أن قتلها جنود الاحتلال في كمين مريع!.

 

ذهول ودموع

ذهول على الوجوه، ودموع في العيون، في موكب تشييع الرضيعة المغدورة.. الكل كان يبكي بكل ما يملك من بكاء، ثمة شيء ما يجعلهم أكثر حزناً من المشاهد المأساوية التي عاشوها عندما «مات الولد» محمد الدرّة، واستشهدت الرضيعة إيمان حجو.. فقد مات حلم صبا بالمستقبل، مات شريان استمراريتها للحياة، ماتت الطينة التي سقاها الوالد من حبه حتى ارتوت.. كان يتمنى لو أنه بدلاً منها في القبر، وفي الغربة البعيدة تلك.. كان يتمتم بكلمات لا يفهمها إلا الجسد المسجّى على لوح الروح!!.. لا يفهمها إلا «السنونو» وما تبقّى من رائحة البرتقال.

رحلت صبا، وكأنما «مات الوالد».. وهو ما زال يأمل في أن تأتي إليه ذات يوم، راكضة، قاذفة نفسها في حِجْره، لينام بين رموشه طير من الياسمين، وكي يتمتم: «كم أحبك يا طفلتي».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات