فيما تربّع دخول القرار الأمريكي، بوقف الإعفاءات التي منحتها واشنطن لثماني دول لشراء النفط الخام الإيراني، صدارة الأحداث دولياً، لا تزال نقاشات الداخل مشدودة إلى جلسات مجلس الوزراء، ترقباً لما قد ينتهي إليه مشروعها حيال موازنة العام الجاري، بتخفيضاته والأبواب التي سيطرقها لخفض العجز، وسط مرابضة الجهات النقابية والعمالية على جبهة مواجهة محاولات المس برواتب القطاع العام ومخصّصات المتقاعدين.
وعلى وقع الانتظار، لا يزال مجلس الوزراء اللبناني منهمكاً بعقد جلسات متتالية، لوضع الصيغة النهائية للموازنة، التي سيتضمنها مشروع القانون الذي سيحال إلى المجلس النيابي، فيما أوحت الأجواء باستعجال لإنجاز المهمة، وتجاوز ما باتت تسمى العقبات والألغام، لاسيما الأبواب التي تضمنتها وخلقت التباساً لدى اللبنانيين، وأقلقت كل الفئات الوظيفية، والتي وضعت جميعاً تحت مقصلة الخفض بلا مقابل يعوضه.
ولم يغب استحقاق الموازنة عن محطات زيارة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى لبنان، والتي تناولت تطوير العلاقات المشتركة والمشاركة في منتدى الاقتصاد العربي. وقال مدبولي، في افتتاح المنتدى، إن لبنان يواجه حالياً تحديات شبيهة بما واجهته مصر، وإن العمل الدؤوب سيمكن من تجاوزها.
وبالتزامن مع الجلسات المفتوحة لمجلس الوزراء، وصف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الوضع العربي الراهن بأنه صعب، نتيجة تنقل الاضطرابات من دولة إلى أخرى، داعياً إلى عمل عربي سريع لتفادي المزيد من التدهور.
وأبلغ الرئيس عون رئيس مجلس الوزراء المصري، خلال لقاء جمعهما في قصر بعبدا، أن لبنان الذي يواجه تداعيات النزوح السوري إلى أراضيه ينادي بضرورة تسهيل عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، بعد استتباب الأمن في غالبية المناطق السورية، لاسيما لأولئك الذين نزحوا لأسباب أمنية، إلا أنه يواجه تحريضاً واستغلالاً سياسياً لعدم العودة، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول الأسباب. من جهته، أكد مدبولي وقوف بلاده إلى جانب لبنان ودعمها له في مختلف المجالات.
في الأثناء، بدا واضحاً للمراقبين أن مجلس الوزراء أمام مهمة صعبة، فهو من جهة تحت ضغط الاعتراضات التي طاولت مشروع الموازنة، والتحركات الاحتجاجية التي بدأتها القطاعات العمالية والنقابية والتي تلوح برفع مستوى التصعيد، إلى حد الإضراب المفتوح وتعطيل المؤسسات والإدارات وشل الدولة بكاملها، إذا ما استمر هذا المسار.
وسد الوزراء منافذ المعلومات، وأبقوا المداولات سرية، التزاماً بتعميم رئيس الوزراء سعد الحريري وبتخفيف عوامل التوتر، إلا أن التوتر والاعتراض لم يكونا من العسكريين هذه المرة، بل جاءا من صوب مصرف لبنان، ونقابة موظفيه التي أعلنت في سابقة من نوعها، الإضراب التحذيري يومين متتاليين، رفضاً للمس بالرواتب والتقديمات، وللهجمة المستغربة التي يتعرّض لها البنك المركزي.
وفيما أعدت القوى السياسية عدتها لخوض هذا الاستحقاق في مجلس الوزراء، بدأت موجة من الإرباك على كل المستويات الوظيفية تجتاح البلاد، حيال الغموض الذي يسود الأرقام الحقيقية للموازنة، وسط تساؤلات حول القطاعات التي ستشملها التخفيضات في الرواتب والتقديمات، والنسب التي سيتم اقتطاعها. وتسود حالة من التأهب في كل الأوساط بدءاً من دول «سيدر» الساعية لمعرفة فيما إذا كانت حسابات حقلها ستطابق بيدر مجلس الوزراء، والمصارف لمعرفة ما إذا كانت يد السلطة التنفيذية ستمتد إلى ودائعها، فيما يتأهب المتقاعدون لمعرفة ما إذا كانت الاقتطاعات ستطال معاشاتهم التقاعدية، بينما الحكومة محشورة في الزاوية، لأنها مرغمة على خفض الإنفاق في ظل العجز عن رفع الإيرادات.
ويرى مراقبون أن الحكومة في ورطة، تواجه مأزقين أحلاهما مر، فهي من جهة مطالبة بتنفيذ إصلاحات تعهدت بإجرائها أمام المجتمع الدولي، بما يؤدي لخفض الإنفاق ما أمكن، وتحاصرها أيضاً أصوات الرافضين لأي مس بمداخيلهم.