في كل زاوية وشارع ومفترق في البلدة القديمة بمدينة نابلس شمالي الضفة المحتلة حكاية لشهيد أو أسير أو جريح. رائحة دم هنا وهناك، وآهات ألم وحسرة عالقة في حناجر أهالي الأسرى، وبخاصة ذوي الأحكام المؤبدة والمصابين بأمراض سرطانية ومزمنة. الأسير فواز فايز سبع بعارة (48 عاماً)، اعتقل في أكتوبر 2004 خلال اقتحام البلدة القديمة في نابلس، وحكم عليه بالسجن 3 مؤبدات (المؤبد 3 مرات) و35 سنة.

زيارة أم سمير شقيقة الأسير بعارة الأخيرة لشقيقها في معتقل الرملة الإسرائيلي لم تكن مطمئنة. وفي حديث لـ «البيان» تقول: «أحضروه متّكئاً على أكتاف بعض زملائه الأسرى. لم يعد يقوى على المشي. قبل فترة قصيرة دخل في غيبوبة ونقل على إثرها من معتقل عوفر إلى معتقل الرملة ليخضع لعملية قسطرة عاجلة لوجود كتل سرطانية على القلب والرئة، ونتيجة الفحوصات الطبية مازالت مبهمة بالنسبة لنا ما إذا كانت الكتل السرطانية حميدة أم خبيثة، وصوته بالكاد كان مسموعاً. في الزيارة الأخيرة لم أتمالك نفسي أمامه كما في كل مرة فالدموع كانت سيدة الموقف».

بداية المرض

بعد اعتقاله ببضع سنوات، اشتكى بعارة من آلام حادة في منطقة الرقبة، وبالفحوصات تبين وجود أورام سرطانية في منطقة الرأس والرقبة من الجهة اليسرى، تنخّر جسده شيئاً فشيئاً في ظل سياسة إدارات سجون الاحتلال التي تتعمّد الإهمال الطبي ومنهج الموت البطيء للأسرى. تقول أم سمير «بعد استفحال المرض بجسد أخي خضع لعملية جراحية لاستئصال الغدة اللمفاوية، أصيب على إثرها بخلل في حواس البصر والسمع والتذوّق، فلم يعد يسمع بأذنه اليسرى، وفقد جزءاً من نظره في العين اليسرى أيضاً، وقصور في قدمه اليسرى، كما حرم من نعمة التذوق».

قلب مفتوح

ولفتت أم سمير إلى أن آلام شقيقها لم تقف به عند مرض السرطان فبعد خضوعه لعملية القسطرة قبل نحو أسبوعين تبين أنه بحاجة ماسة إلى إجراء عملية قلب مفتوح، لم يبلغ ذويه بموعدها بعد. وعملية القلب المفتوح ستكون العملية الجراحية الرابعة التي يخضع لها بعارة بعد اكتشاف إصابته بمرض السرطان.

وبعد 3 سنوات من اعتقال بعارة توفيت والدته، بعد حرمان طويل لها من زيارته لسوء وضعها الصحي. لم يحرم بعارة من والدته فقط، فالمرض الذي أنهك جسد الوالد حرمهما من اللقاء منذ ما يزيد على 10 سنوات. وللأسير بعارة زوجة وثلاثة أبناء، جعفر (25 عاماً) ناصر(24 عاماً) وآية (18 عاماً) يعيشون على أمل أن يتنفس والدهم يوماً نسائم الحرية علهم يعوّضون حرمانهم من وجود الأب وحنانه.

إحصائيات

أكد مظفر ذوقان منسق اللجنة الوطنية لدعم الأسرى في نابلس لـ «البيان» أن عدد الأسرى المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي قرابة 750 أسيراً يشتكون من أمراض مختلفة، من بينهم 200 أسير يعانون من أمراض حرجة وبحاجة إلى عمليات جراحية، 34 منهم يعانون من أمراض السرطان، و70 أسيراً يعانون من إعاقات جسدية ونفسية وحسية، بالإضافة إلى وجود العشرات من الجرحى والمصابين بعد إطلاق الرصاص الحي عليهم خلال عمليات الاعتقال.