ينتشر شباب لا تتعدى أعمارهم 18 عاماً عند الحواجز المنصوبة بعناية دقيقة على مداخل اعتصام القيادة العامة للجيش السوداني وسط الخرطوم، وهم يهتفون: «ارفع إيدك فوق والتفتيش بالذوق»، في تنبيه لمن يودون دخول ساحة الاعتصام بضرورة الخضوع لتفتيش دقيق احترازاً من محاولات الاختراق. واكتسب هؤلاء الشباب خبرات كبيرة في أساليب التفتيش خلال أيام الاعتصام الذي دخل أسبوعه الثالث، مطوّرين من أدواتهم التي يخضع لها كل داخل إلى الميدان في أريحية كاملة.

يقول صديق ميم، عضو لجان تأمين مقر الاعتصام لــــــ«البيان»: «منذ انطلاق الاعتصام في السادس من أبريل، تشكلت هذه اللجان وكانت في البداية تعمل على التفتيش تحسباً لدخول الأسلحة بواسطة كتائب الظل التابعة للنظام»، مشيراً إلى وجود تعاون كبير بين لجان التأمين والاستخبارات العامة للجيش السوداني. وكشف صديق عن أنّ لجان التأمين ضبطت خلال الأيام الثلاثة الأولى للاعتصام العديد من الأسلحة والقنابل اليدوية التي كانت الكتائب تحاول تهريبها إلى داخل ساحة الاعتصام، وأنّه تمّ تسليم هذه الأسلحة وحامليها للاستخبارات، مشيراً إلى أنّ مهمة لجان التأمين تقتصر على تسليم من يتم ضبطه إلى رجال الاستخبارات الذين يتولون التحقيق معه.

ويشير منتصر الحسن، وهو يقف عند أحد حواجز الاعتصام، إلى أنّ مهمة التفتيش توسعت الآن بعد إحباط محاولات لكتائب الظل الإخوانية لإدخال بعض المواد المخدرة وحبوب الهلوسة بغرض نشرها لتشويه صورة المعتصمين أمام الرأي العام، مضيفاً: «الآن بات ممنوعاً إدخال أي نوع من العقاقير الطبية وحتى العطور يتم التأكد منها أولاً، يحاولون بشتى السبل تشوية صورة المعتصمين».

وأردف منتصر في حسرة: «هؤلاء الناس لا أخلاق لهم فشلوا في فض الاعتصام بقوة السلاح، والآن يسعون لفضه بطرق مختلفة في مقدمتها تشويه صورة المعتصمين، قاومنا سلاح الكتائب والملثمين أربعة أشهر في شوارع الخرطوم، سقط منا الشهداء والجرحى وأصيب أصدقاؤنا بعاهات مستديمة، منهم من فقد إحدى عينيه ومنهم من بترت يده، فهل تجمعنا هنا لنلهو ونلعب، نحن هنا من أجل إزاحة هؤلاء الناس من المشهد الذي فعلوا فيه ما فعلوا ولن نبارح مكاننا حتى نطمئن تماماً أنّ المجلس العسكري أو الحكومة المدنية تولوا هذه المهمة عنا».

مشاركة نسائية

ولم تغب النساء عن المشاركة في تأمين الاعتصام، إذ يقمن بتفتيش حقائب النساء. وتقول آلاء عبد الرحيم: «حراسة ساحة الاعتصام ليست حكراً على الشباب فقط، النساء يشاركن بذات القدر». وتضيف: «في اليومين الأول والثاني، عندما هاجمت قوات الأمن المعتصمين، النساء كن في مقدمات الصفوف للتصدي له وتعرضن للضرب، نظل في حالة حركة مستمرة طوال الليل وترديد الشعارات الثورية حتى لا يتسلل النوم إلى المعتصمين، لكل شخص في ساحة الاعتصام دور يقوم به وبجدية كاملة وهو يعلم تماماً أنّ سلامة رفاقه المعتصمين مسؤوليته المباشرة».

تطوّر تأمين

ويرى الناشط فارس النور، رئيس من منظمة مجددون، أنّ عملية التأمين مهمة بالغة التعقيد، إلّا أنّ الشباب يقومون بها خير قيام، إذ لم تحدث أي اختراقات تذكر طوال أيام الاعتصام، على حد قوله. ويشير النور إلى ضبط عناصر حاولت تصوير مشاهد تسيء للاعتصام بصناعتها وتوزيعها على الأسر عبر وسائط التواصل الاجتماعي، موضحاً أنّ عملية التأمين تطورت مع تطوّر مراحل الاعتصام والتحديات التي تواجهه.

وأبان أنّ التفتيش الآن دخلت فيه أدوات متطورة مثل الأجهزة التي تستخدم الأشعة السنية القادرة على كشف المعادن والأسلحة، فضلاً عن تطوير مهارات الشباب من خلال الممارسة اليومية.

ولاحظت «البيان» خلال تجوّلها في ساحة الاعتصام الممتدة على طول أكثر من عشرة كيلومترات، امتثال الجميع لتوجيهات لجان التأمين بشكل كامل، وتعاونهم مع فرق التفتيش دون تذمّر أو تشكيك، على الرغم من كونها عملية مرهقة في بعض الأحيان، فيما العبارة المتداولة على لسان الجميع: «الخرطوم أمان بعد غياب جهاز الأمن».