حراك مستمر تحت حماية الجيش.. ومطالبات بدفن جماعات «الهوس الديني»

السودان.. مخاض طويل للخلاص من دولة «الإخوان»

Ⅶ معتصمون سودانيون أمام مقر قيادة الجيش بالخرطوم | أ.ف.ب

ثلاثون عاماً من حكم تحالف جماعات «الهوس الديني» ليست بالأمر اليسير الذي سيسقط في يومين أو ثلاثة، أو حتى إذا قلنا الشهور الأربعة الماضية التي عاش فيها الثوار لحظات من القوة والانكسار القوة والضعف أمام كتائب الإخوان المسماة في السودان «كتائب الظل»، أو كتائب علي عثمان نسبة إلى زعيم منسوبي الإسلام السياسي الذي هدّد بها علناً في لقاء تلفزيوني ذائع الصيت.

هكذا يقول محدثي من محيط القيادة العامة لقوات الشعب المسلّحة في وسط الخرطوم، مؤشراً إلى الجموع المحتشدة التي تواصل الليل بالنهار، «كل هذه الحشود التي تراها أمامك لن تعود إلى بيوتها ما لم تتأكد من أن هذه المجموعة التي أذاقت الشعب السوداني الأمرّين، ولن تعود ما لم تتأكد من أنها دفنت أطروحة الإسلام السياسي إلى الأبد.. الآن قطعنا شوطاً مقدّراً ولم يتبقَّ لنا الكثير».

ويضيف خالد فتحي، وهو يشغل منصب مدير تحرير صحيفة التيار السودانية، وعضو ناشط في شبكة الصحافيين السودانيين، إحدى مكونات تجمع المهنيين الذي قاد الحراك ضد نظام المؤتمر الوطني: «مطالب الشارع واضحة ومحددة، وعلى المجلس العسكري العمل بجدية لتنفيذها»، ويردف: «الشارع قال كلمته، وقادر على حمايتها».

تشييع «الإخوان»

تبدو الخرطوم مجمعة هذه المرة بشكل لافت على تشييع نظام «الإخوان» إلى مزبلة التاريخ، فمنذ أن تطأ قدمتك يبادرك كل من يلتقيك بالتهاني للإنجاز الذي حدث حتى الآن، فيقولون إن ما تم إنجازه شوط مقدّر، لكن لا بد من سد كل الثغرات التي من شأنها أن تعود بهذا التنظيم إلى الواجهة.

تصميم تجده في وجه كل من تلتقيه، سواء في ساحة الاعتصام أو في الشارع. العاصمة الخرطوم ما زالت تعيش شبه مشلولة وفي حالة عصيان مدني شامل غير معلن رسمياً من أي جهة.

يقول الناشط في الحرك الشبابي ناظم سراج لـ«البيان»: «سنواصل احتجاجاتنا إلى حين تنفيذ مطلوباتنا كافة، وفي مقدمتها تشكيل مجلس مدني بتمثيل عسكري إلى جانب حكومة مدنية توافقية تقوم على أشخاص أكفاء ومؤتمنين على مشروع تصفية «دولة الكيزان» (الاسم المتعارف عليه في السودان على منسوبي تنظيم الإخوان)».

ويمضي سراج، الذي خرج من المعتقل أخيراً، قائلاً إن هدفنا الآن من هذا الحراك واستمراريته ليس إسقاط المجلس العسكري الحالي، وإنما تقويمه والذهاب به في الاتجاه الصحيح، وهو تصفية النظام السابق وإعادة الدولة التي ظلت مختطفة من هذا التنظيم ثلاثين عاماً إلى الشعب السوداني.

وشدد ناظم على أنهم لا يزالون لا يثقون كامل الثقة بالعسكريين الذين يتولّون مقاليد الأمور الآن، ولكنهم على ثقة كاملة بالشارع الذي لن يتراجع ما لم تتم تصفية دولة المؤتمر الوطني.

حاجة متبادلة

واستبعد ناظم حدوث صدام بين المجلس العسكري والمعتصمين أمام القيادة العامة، قائلاً إن الاعتصام أمام القيادة في نظرة عميقة له يخدم المجلس العسكري والقوة التي انحازت للشارع السوداني من قِبل منسوبي القوات المسلّحة.

وأضاف أن المجلس العسكري الآن في حاجة إلى الثوار أكثر مما هم في حاجة إليه، لأن المجلس يحتاج إلى سند الجماهير الموجودة في الشارع الآن، وهم الذين استمد قوته منهم للإطاحة بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير، مشدداً على أن المجلس لا يستطيع فض هذا الاعتصام بالقوة.

ويواصل المحتجون السودانيون، لليوم الحادي عشر على التوالي، اعتصامهم أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم، للمطالبة بتسليم السلطة إلى المدنيين، كما أفشلوا محاولات الجيش لفض الاعتصام، في حين يواصل المجلس العسكري الانتقالي لقاءاته واتصالاته.

وحاول أفراد من الجيش إزالة الأحجار والحواجز التي وضعها المعتصمون، لكن المعتصمين حالوا دون ذلك، ورددوا هتافات مطالبة بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية. وواصل المعتصمون صباحاً أعمال تنظيف مكان الاعتصام، وتوزيع ألواح الثلج على براميل المياه مع ارتفاع درجة الحرارة، وذلك بعد يوم من محاولة قوات الدعم السريع التابعة للجيش فض الاعتصام من دون نجاح.

مطالب واطمئنان

ودعا تجمع المهنيين السودانيين، الاثنين، إلى حل المجلس العسكري الانتقالي، وتشكيل مجلس مدني مؤقت جديد، وحل حزب المؤتمر الوطني (الحاكم سابقاً).

وقال قادة التجمع، في مؤتمر صحافي، إنهم سيقاطعون السلطات، وسيواصلون التصعيد الجماهيري في حال عدم تشكيل مجلس انتقالي مدني بتمثيل للعسكريين وإلغاء المجلس العسكري الحالي، وعلى الرغم من السعي الواضح من قبل بقايا النظام السابق الذين يسيطرون على مقاليد الدولة حتى الآن في زرع الوقيعة بين الشارع والمجلس العسكري، بدا واضحاً أن سياسة الحوار التي انتهجها المجلس العسكري بدّدت مخاوف قيادات الثوار إلى حد كبير.

ويقول مصدر عسكري رفيع ومقرب من المجلس العسكري لـ«البيان» آن التزاماً واضحاً قدّمه المجلس العسكري لتجمع المهنيين، باعتباره القائد الفعلي لهذا الحراك بتفكيك دولة «الإخوان» وإنهاء جميع تمظهراتها، ولكن تدريجياً، باعتبار أن القضاء على هذه الجماعة التي ظلت تحكم السودان 30 عاماً بضربة واحدة يعتبر بمنزلة نحر للدولة السودانية.

وقال المصدر إن المجلس العسكري يعمل الآن على تثبيت سلطاته وتلمّس خطواته، مردفاً أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان يقود البلاد الآن في ظل مؤسسات يمكن أن تكون معادية في أي لحظة، لهذا هو يحاول بقدر الإمكان أن يخلّص البلاد من أذرع الأخطبوط بطريقة لينة.

ويمضي المصدر في حديثه لـ«البيان»، مفضّلاً عدم ذكر اسمه، أن الخطوات الآن تمضي باتجاه حصر وتحديد أماكن سلاح كتائب الظل، ووضع يد الدولة عليه، ومن ثم العمل على قصر السلاح في يد الدولة.

اعتقالات واسعة

ويمضي المصدر قائلاً إن جميع رموز النظام السابق هم رهن الاعتقال، وسيسلّمون إلى أجهزة الحكومة المدنية، لتقوم هي بالتحقيق معهم وتشكيل المحاكم، لمحاكمة المتورطين منهم في جرائم متعلقة بدماء وأموال السودانيين، ويمضي قائلاً إن «المجلس الآن بدأ اتصالات خارجية عديدة، وهو في حالة تواصل مستمرة مع دول الإقليم ممثلة في جمهورية مصر العربية، باعتبارها الجار الأقرب للسودان»، متوقعاً زيارات متبادلة على مستوى عالٍ بين البلدين خلال الأيام القليلة المقبلة.

وأضاف أن وفداً من المجلس العسكري الآن يزور إثيوبيا للقاء الاتحاد الإفريقي والقيادة الإثيوبية، كما أن اتصالات تمت وستتم مع قيادات كل دول المنطقة، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وهما في مقدمة الدول التي بادرت مبكراً لدعم السودان في ظل قيادته الجديدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات