لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا
جاءت استقالة نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية علي القطراني لتؤكد التصدّع في هذا الكيان السياسي الذي تشكّل في ضوء مخرجات اتفاق الصخيرات المغربية في ديسمبر 2015، وفي بيان استقالته قال القطراني من مقر إقامته في بنغازي، شرقي البلاد، إن الميليشيات وجدت في الرئاسي أداة ضعيفة طيعة تمكنها من الترهيب والسطو والسيطرة على موارد الدولة وثروات الشعب، معتمدة على رضوخ حكومة الوفاق والمصرف المركزي لأوامرها، منبّهاً المجتمع الدولي والأمم المتحدة وبعثتها للدعم في ليبيا ومجلس الأمن بأن رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج قد انفرد بممارسة اختصاصات المجلس بشكل مطلق من دون حسيب أو رقيب بتحريض ودفع من الميليشيات المسلّحة التي تحكم قبضتها بقوة السلاح على جميع مرافق العاصمة طرابلس، ما يعتبر خرقاً للاتفاق السياسي، حسب تعبير القطراني.
والواقع أن القطراني، وهو أحد النواب الثلاثة الممثلين لإقليم برقة في المجلس، كان علق عضويته منذ أوائل العام 2016، حيث أكّد انحيازه لعملية الكرامة التي أطلقها الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر منذ منتصف مايو 2014 في مواجهة الجماعات المتشددة والميليشيات الخارجة عن القانون التي كانت تحصل على دعم مالي وتسليحي وإعلامي من العاصمة ومن قوى الإسلام السياسي المسيطرة عليها وعلى مدينة مصراتة، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه النائب عمر الأسود المنحدر من مدينة الزنتان والمنحاز كذلك إلى عملية الكرامة.
وقال النائب عمر الأسود المنسحب بدوره من جلسات المجلس إن عدم وجود شفافية في اختيار الوزراء وعدم وضوح معايير الكفاءة ومخالفة القوانين هي الأسباب التي دفعته للانسحاب وعدم التوقيع على تشكيل حكومة الوفاق.
الكوني والمجبري
في الثاني من يناير 2017 أعلن موسى الكوني، وهو من ممثلي إقليم فزان عن الطوارق، استقالته كنائب رئيس المجلس الرئاسي، واتهم المجلس بالفشل في القيام بمهامه واستحالة تطبيق الاتفاق السياسي وفشله في إدارة الدولة، قائلاً: «كل الأجسام السياسية لم تساعد المجلس الرئاسي في توحيد مؤسسات الدولة»، مشيراً إلى «أن المجلس الرئاسي ليس على قلب رجل واحد، ولم يتمكن من تقديم الدعم للمناطق التي شهدت حروباً واشتباكات»، وحمله المسؤولية عن إهدار المال العام. وفي الثاني من يناير 2019 أي بعد عامين من استقالته، أكد الكوني أن الأسباب التي دفعته إلى الاستقالة ما زالت قائمة ولم تتغير، مشيراً إلى أنه تلقى اتصالات عديدة لإثنائه عن قراره.
وفي 18 يوليو 2018 أعلن عضو المجلس الرئاسي فتحي المجبري، وهو من ممثلي إقليم برقة، انسحابه رسمياً من الحكومة ومجلسها الرئاسي، داعياً الوزراء الممثلين عن المنطقة الشرقية إلى الاستقالة ومغادرة طرابلس. وطالب «كل نواب البرلمان الليبي الداعمين للمجلس الرئاسي، بسحب دعمهم فورًا»، معتبرًا أن ما يحدث في طرابلس هو مسرحية يقوم بها السراج، على حد تعبيره.
وباستقالة موسى الكوني وفتحي المجبري وعلي القطراني وعمر الأسود، يكون المجلس الرئاسي المكون من رئيس وخمسة نواب وثلاثة وزراء دولة، فقد أربعة من أعضائه التسعة، بينما حافظ أربعة فقط على مواقعهم إلى جانب السراج، وهم عبد السلام كجمان المحسوب على الجماعة المقاتلة التي يتزعمها عبد الحكيم بالحاج، ومحمد العماري زايد ممثل جماعة الإخوان، والاثنان كان لهما دور كبير في الدفاع عن الجماعات الإرهابية في المنطقة الشرقية كمجلس شورى بنغازي وسرايا الدفاع عن بنغازي ومجلس شورى مجاهدي درنة، يضاف إليهما أحمد معيتيق ممثل مصراتة، والذي تتراوح علاقاته مع الإخوان بين المودة والعداء، وأحمد حمزة المهدي الذي يبدو بعيداً عن القرار السياسي باعتباره وزيراً مفوضاً مهتماً بملف المجتمع المدني والمصالحة.
ووفق المحلل السياسي والكاتب الليبي عيسى عبد القيوم، فإن المجلس الرئاسي بدأ مشواره عبر فقرة بالمسودة الرابعة لاتفاق الصخيرات تنص على أنه مكون من رئيس ونائبين وتم التوقيع على ذلك وأغلقت المسودة أمام العالم لنتفاجأ بإضافة نص يقفز به إلى رئيس و8 شركاء.
وبحسب المسودة كان يجب إحالة المجلس ومسودة الاتفاق للبرلمان من أجل شرعنته عبر تعديل الإعلان الدستوري وهو ما لم يحدث حتى الآن لنضيف خرقاً آخر يتمثل في عمل مجلس غير مشرعن، وكذلك وبحسب استحقاق الاتفاق الموقع يرشح البرلمان مجموعة أسماء يختار من بينها اسم رئيس المجلس، وقد أرسل البرلمان 14 اسماً لنتفاجأ بإعلان اسم من خارج قرار البرلمان في خرق ثالث تم تسجيله على المجلس، وبحسب لوائح الرئاسي لا تصح جلساته إلا بحضور جميع أعضائه ومع هذا يجتمع ويقرر في غياب عدد من الأعضاء.
فشل ثلاثي
لم ينجح المجلس الرئاسي خلال ثلاث مناسبات في تمرير تشكيلات حكومية مقترحة أمام مجلس النواب، لذلك اتجه السراج إلى الاعتماد على وزراء مفوضين غير حاصلين على التزكية البرلمانية، وهو ما يجعل مناهضيه يتهمونه بأنه يعتمد على حكومة غير شرعية وإن كانت حاصلة على الاعتراف الدولي، بينما تواصل الحكومة المؤقتة التي تتخذ من البيضاء (شرق) مقراً لها، عملها رغم عدم وجود اعتراف دولي بها، ويحصل وزراؤها على ثقة البرلمان، وهي التي تتعامل معها القيادة العامة للجيش، وتسلمها إدارة كل المناطق التي تبسط عليها القوات المسلحة نفوذها بما في ذلك مناطق الجنوب الغربي وبعض مدن وقرى المنطقة الغربية.
وبينما يطلق السراج على نفسه صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة، يرفض القائد العام المشير خليفة حفتر والبرلمان الاعتراف بذلك، منطلقين من أن اتفاق الصخيرات يمنح هذه الصفة للمجلس الرئاسي مجتمعاً، وليس لرئيسه، وهو ما لم يتحقق منذ أوائل 2016 عندما قرر النائبان علي القطراني وعمر الأسود تعليق عضويتهما، كما أن حكومة الوفاق تعتبر فاقدة للشرعية نتيجة عدم حصولها على ثقة البرلمان.
فساد الميليشيات
وما يزيد من عزلة حكومة السراج تورطها في الفساد وفق تقرير ديوان المحاسبة للعام 2018، ما جعل منظمة الشفافية الدولية تصنف ليبيا من أكثر الدول فساداً في العالم.
وكشفت دراسة للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن الدولي بأن الاستقرار المبني على فهم خاطئ في ليبيا يقف في طريق التقدم السياسي وينذر بحرب جديدة، مشيرة إلى أن ميليشيات مسلّحة في طرابلس سيطرت على مفاصل السلطة منذ دخول المجلس الرئاسي في مارس 2016. وعلى الرغم من أن ولاء تلك الميليشيات لحكومة «الوفاق»، إلا أنها تسيطر بالفعل على الحكومة وقراراتها.
وأظهرت الدراسة أن استعانة المجلس الرئاسي بميليشيات مختلفة الانتماءات لحمايته في العاصمة طرابلس شكلت حجر الأساس لفشل الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات، وأضافت أن تلك الميليشيات والتي تخضع لسلطة المجلس الرئاسي في طرابلس تحولت من جماعات مسلحة إلى «مافيا منظمة» تمتلك شبكات تؤثر في الاقتصاد والأعمال والسياسة والإدارة في العاصمة وهذا ما جعل الاقتصاد الليبي والأموال الليبية تصب في مصلحة فئة صغيرة جداً ودائرة أصغر من أي فترة مضت منذ ثورة فبراير 2011.
وتابعت الدراسة أن الميليشيات الأربع الأهم هي كتيبة ثوار طرابلس بقيادة هيثم التاجوري وكتيبة النواصي بقيادة عائلة قدور وقوة الردع الخاصة بقيادة عبد الرؤوف كارة ووحدة أبو سليم التابعة لجهاز الأمن المركزي بقيادة عبدالغني الككلي.
ويرى المراقبون أن المجلس الرئاسي تاه بين ثالوث التفكك والعجز والفساد، وغابت عنه الشرعية، باعتباره اعتمد على سياسة الأمر الواقع، واستعان في ذلك بالميليشيات وبجماعة الإخوان التي استظلت بشرعيته الخارجية لتتغلغل في مفاصل الدولة.
ومما زاد في تفاقم الأزمة أن هذا الوضع يسعى المستفيدون منه إلى استمراره، باستبعاد الحل السياسي وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، الأمر الذي دفع بالجيش الوطني إلى اتخاذ قراره الحاسم بتدشين «طوفان الكرامة» لتحرير طرابلس وتطهيرها من الإرهاب والفساد.
جدل
أعلن المبعوث الأممي غسان سلامة أواخر مارس الماضي، في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً، أن «هناك مليونيراً جديداً كل يوم في ليبيا»، مشيراً إلى أن الطبقة الوسطى «تتقلص يوماً بعد آخر».
واتهم سلامة الطبقة السياسية في ليبيا بأن «لديها كماً من الفساد يندى له الجبين»، موضحًا أن هناك من يجني «ثروات طائلة من المناصب يجري استثمارها خارج ليبيا». ولفت سلامة إلى أنه لا يريد أن «يطمئن الفئة الحاكمة في ليبيا التي لديها مستوى عال من الفساد»، معتبراً أنه «آن الأوان أن يكف أي طرف عن التمسك بالمنصب الذي يمكّنه من اقتناء الثروة».

