أقبية دمشق.. عالم تحت الأرض

Ⅶ أحد بيوت دمشق القديمة | البيان

على كتف مول دامسكينو، وهو واحد من أشهر المولات القليلة الموجودة في دمشق، وبمجرد اجتيازك عدة أمتار ستنتقل من منطقة بالغة الغلاء والثراء إلى أخرى مختلفة تماماً، فهنا الأبنية متواضعة والأزقة ضيقة، وبمجرد توغلك أكثر ستكون أمام أبنية سيئة البناء تكاد تتهاوى على رؤوس قاطنيها، والذين يبلغون في بعض الأحيان ثلاث عائلات أو أكثر.

أمام أحد الأبنية توقفنا واقتربنا من فتحة كبيرة أشبه بمدخل للمرآب، ولكن عند الاقتراب والتوغل فيها لم نجد أي سيارة، وإنما بيوت شديدة الصغر بنيت بأدوات بدائية واستعانت بأكياس تستخدم عادة لتوزيع معونات المنظمات الدولية.

في هذا القبو الذي تنعدم فيه أشعة الشمس وتخف نسبة الهواء، كنا أمام مشهد صادم، فثمة الكثير من الأطفال يلعبون في فسحة لا تخلو من بقع الماء أو الأدراج، كما شاهدنا نساء يغسلن وأخريات يقفن أمام باب القبو ينشدن التنفس ببعض الهواء النظيف.

ظروف سيئة

تخبرنا زهرة وهي سيدة في الخامسة والعشرين من عمرها وصلت إلى هذا الحي من حوالي السبع سنوات وتمكنت هي وزوجها من الحصول على مساحة خاصة بهما صنعا منها منزلهما الأقرب للخيمة، وفيه أنجبت حتى الآن ثلاثة أطفال، التحق أكبرهم مؤخراً في المدرسة في حين ينتظر البقية بلوغهم عمر الست سنوات كي يلتحقوا بالصف الأول الابتدائي.

وتضيف زهرة التي التقتها «البيان» أن الظروف سيئة للغاية حيث يقيمون لكنهم لا يملكون أي حل آخر، فوضعهم المادي سيئ جداً، ولا يمكنهم التفكير بمغادرة المكان واستئجار شقة، لأن زوجها النازح من داريا خسر بيته هناك ومحله، وبقي اليوم من دون مصدر دخل ثابت.

تشير لنا إلى كتلة صغيرة عليها باب خشبي، وتقول ساخرة هذه مملكتنا، وتتابع هنا نمضي أيامنا لا نعرف إلى متى سنبقى وماذا ينتظرنا في المستقبل، فبيتهم تهدم خلال الحرب ولا يملكون أي أمل بالحصول على تعويض أو شراء غيره.

تحسّن نسبي

توضح زهرة أن أمورهم اليوم رغم سوئها أفضل مما كانت عليه حينما وفدوا للمرة الأولى، فهم اعتادوا على المكان وعلى الجوار الذين نزحوا جميعهم من داريا أو قرى الغوطة، كما يشتركون جميعهم بالبؤس والفقر، وتضيف بأن المكان في البداية لم يكن مخدماً بالكهرباء ولا الماء وكانوا ينقلون الماء من الخارج، ولكن لاحقاً تمكنوا من تمديد المياه التي تساعدهم على تلبية حاجاتهم الأساسية، كما وزعوا الأنوار في كامل القبو كي يمنحهم شيئاً من الأمان خاصة في الليل الذي كان بمثابة الرعب بالنسبة لهم.

في غرفتها المتواضعة وضعت بإحدى الزوايا مستلزمات المطبخ الضرورية من كؤوس وصحون وغيرها، في حين رتبت جانباً الأغطية والفرش لتبقى مساحة ضيقة تتقاسم فيها العائلة كل شيء من دراسة وتناول طعام وحتى متابعة التلفزيون، وبأسى بالغ تشير إلى خزنة خشبية، تقول اشتريناها مؤخراً كانت بالنسبة لنا أشبه بالحلم فأشياؤنا مكدسة بأرض الغرفة، وتضيف بأنها لم تملك الوقت كي تفرح بمنزلها حينما تزوجت، فالحرب أجبرتهم على تركه دون أخذ شيء.

لطف أم لطفي

بالقرب من زهرة تسكن سيدة مسنة كتبت على باب غرفتها أم لطفي، استقبلتنا بلطف حينما طرقنا بابها ودعتنا بخجل للدخول إلى حيزها، تقول بأنها تقيم هنا من أكثر من ست سنوات، التحقت بهذا المكان بعدما تعرف عليه جيرانها واستقروا فيه، وتضيف بأنها كانت تأمل ألا يطول بعدها عن بيتها، لكن حدث عكس ما تمنت، فهي ما زالت مقيمة هنا وصحتها بتراجع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات