«كاترين» سيدة فرنسية بدرجة «وطن»

كاترين تقف على اليسار ومعها مهاجرات وصديقات لها

الإيمان الحقيقي بالتسامح والأخوة في الإنسانية قد يحوّل صاحبه إلى «وطن» يجمع الأحباب بمختلف دياناتهم وجنسياتهم وألوانهم، لا فرق بين إنسان وآخر، ولا مكان إلا للمحبة والتعايش والتقاء المشاعر الإيجابية، «نحن بشر ومن أصل واحد جميعا حتى ولو اختلفنا في أمور أخرى»، هذه مبادئ الخالة كاترين كوتيار، كما يناديها أولادها المهاجرون الذين فتحت لهم دارها ومطعمها ليكون مركز انطلاقهم داخل المجتمع الفرنسي، نموذج للإنسان المتسامح الذي سخر إمكاناته بالكامل لزراعة المحبة في نفوس البشر وجني السلام والنجاح والمحبة مدى الحياة.

مطعم المهاجرين

وكاترين كوتيار، المواطنة الفرنسية البالغة من العمر 65 عاما، ولدت في باريس لأب وأم من الأثرياء، تزوجت وأنجبت ابناً واحداً، سافر بعد بلوغه سن الشباب إلى بولندا، وأسست كاترين مطعماً فاخراً في وسط العاصمة الفرنسية باريس عام 1990، وبعد أقل من عام من افتتاح المطعم، أصبح جميع العاملين فيه تقريباً من المهاجرين بمختلف جنسياتهم ودياناتهم، ثم أسست كاترين منزلاً كبيراً لإقامة العاملين في المطعم، وحتى غير العاملين، يكفي أن يكون محتاجاً للسكن، لتصبح الخالة كاترين بمرور الوقت مركزاً لتجمع الشباب الطموح القادم من بعيد، ونقطة انطلاقهم من «وحدة الغربة» إلى الاندماج في المجتمع الفرنسي بعد تخرجهم في الجامعة، أو اكتسابهم الخبرة الكافية لمواجهة الحياة في فرنسا والاعتماد على النفس.

تحول

تقول الخالة كاترين كوتيار لـ«البيان»، قررت عام 1990 أن افتتح مطعماً ليكون مشروعاً خاصاً بي أشغل وقتي فيه، ومع بداية تأسيس المطعم جاءني شاب مغربي الجنسية طلب العمل في المطعم، لم تكن لغته الفرنسية جيدة بما يكفي، كان بادياً أنه وصل للتو إلى فرنسا، قال إنه جاء لاجتياز الدراسات العليا في القانون في جامعة السوربون، احترمته جداً وألحقته بالعمل فوراً، كان نشيطاً وطموحاً، وذات يوم قام أحد الزبناء بمضايقة الشاب المغربي، يوسف، وهاجمه بعبارات عنصرية، وتكرر الأمر من أحد العاملين في المطعم وكان «مسيحياً» فرنسي الجنسية، شعرت وقتها بانكسار الشاب العربي المسلم، يوسف، وكان رد فعلي أن سرّحت الموظفين العنصريين من مطعمي، وطلبت من يوسف أن يعرض على زملائه في الجامعة المغتربين العمل وقت الفراغ لمن يحتاج ذلك، وبالفعل حضر طلاب عرب ومسلمون وأفارقة، شباب وفتيات، كانوا يعملون بإخلاص وتفان، وكانوا ينادوني بمدام كاترين، لكني طلبت منهم أن ينادوني بـ«خالتي»، لأني شعرت بأنهم جميعا أبنائي، كانوا هكذا فعلاً، حتى هؤلاء الذين كانوا يحضرون من دول أوروبا الشرقية، جميعهم عملوا هنا، وسكنوا في الدار الملحقة بالمطعم، ودرسوا وتخرجوا في الجامعة، بعضهم استمر في فرنسا وتزوج وحصل على الجنسية وانخرط في المجتمع الفرنسي كمواطن له كامل الحقوق، ومنهم محامون وأطباء ومهندسون، درسوا في أغلب جامعات فرنسا، ومنهم من عاد إلى بلاده بعد أن أتمم دراسته، وهناك من تمكن من أن يؤسس مشروعه الخاص بعد سنوات قليلة من العمل هنا وأصبح رجل أعمال.

وأضافت خديجة لموافي، طالبة دراسات عليا بجامعة «سوربون» مغربية الجنسية، حضرت إلى باريس عام 2017 لإتمام دراستي العليا، وسمعت عن مطعم الخالة كاترين، وذهبت إليها فرحبت بي، كنت أحتاج هذا العمل للمساعدة في مصاريف دراستي وإقامتي، ونزلت في سكن العاملات، والآن أوشكت أن انهي دراستي بفضل مساعدة الخالة كاترين، لم تشعرنا بالغربة أبداً، دائماً تتعمد أن تشعرنا أننا في وطننا، عالم مدام كاترين هو وطننا الثاني، ودائماً يأتي من تخرجوا من هذا الوطن ليزوروها، ونلتقي معهم دائما في المناسبات.عنوان التسامح

وقال عبد الرزاق المجدوبي، محام من أصول جزائرية، أتممت دراسة الماجستير في في جامعة «سوربون» بفضل عملي في مطعم الخالة كاترين، قدمت لنا الدعم والرعاية، وانتقلت بعد حصولي على الماجستير وتمكني من اللغة الفرنسية للعمل في مكتب محاماة كبير في باريس، والآن أواصل دراساتي العليا، وأزور الخالة كاترين دائماً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات