أطفال حملوا أرواحهم على أيديهم واتجهوا إلى المجهول، هرباً من الموت والاقتتال، لا يأبهون بما يحدث، فهمّهم أن يجدوا مكاناً يأويهم من كل هذا الخوف، جاءوا إلى الأردن لا يعرفون عنها شيئاً، ولا يعرفون ماذا سيحل بوطنهم الأم! عالقون بين الحاضر والماضي، أيتام بمعنى الكلمة مهما كانت الرعاية الدولية المقدمة لهم، فالحبل السري لهم انقطع ومن الصعب إعادة وصله.

فاللجوء إلى مكان يعني حتماً تأسيس حياة جديدة في ظل تعقيدات فرضتها الحرب في سوريا. والأطفال في مخيمات اللجوء ومنها مخيم الزعتري إما أنهم لجأوا مع عائلاتهم كما هو الوضع الطبيعي، وإما صنفوا بكونهم أطفالاً غير مصحوبين بذويهم، أي تم فصلهم عن كلا الوالدين وعن أقاربهم ولا يتم العناية بهم من قبل إنسان راشد، وإما أنهم أطفال منفصلون عن كلا الأبوين أو عن راعيهم الأساسي حسب العرف، ولكنهم غير منفصلين عن أقاربهم الآخرين.

حياة مختلفة

تقول أحلام الحراكي، وهي سيدة تقوم برعاية ابنة أخيها في مخيم الزعتري، بعيداً عن عائلة الطفلة الموجودة في سوريا: اليوم ابنة أخي «راما» أصبح عمرها ما يقارب عشر سنوات، وجاءت معي منذ أن كان عمرها 3 سنوات، وبدأت مسيرتها التعليمية في المخيم لتعيش حياة تختلف تماماً عن التي عشناها سابقاً في درعا. لم يستطع أبوها الاستقرار في الأردن، وبالتالي أصبحت أنا المسؤولة الأولى والأخيرة عن هذه الأمانة.

تضيف: أما أمها فقد انفصلت عن أبيها، وبالتالي فمعضلة الفتاة في هذه الحياة معقدة نوعاً ما، بين اللجوء وانفصال الوالدين، وما تحمله الحياة من مصاعب. أحاول جاهدة أن أقدم لها الدعم النفسي حتى لا تشعر بالضعف، فأوفر لها ما هو مطلوب وما أستطيع عمله من خلال الزيارات المستمرة إلى المدرسة.

تعمل الحراكي ناشطة في منظمات عديدة، فهي ميسرة أنشطة في منظمة «ميرسي كور»، وأيضاً مؤسسة للجنة النسائية في المخيم، وعضو في اللجنة الشبابية السورية، إضافة إلى أنها مدربة حرف يدوية، وغير ذلك من البرامج.

تقول: إنني أعمل في برامج عديدة متطوعة، ورغبتي في المشاركة تنطلق من إصراري أن تصبح «راما» قوية الشخصية وأن تندمج في مجتمع المخيم بشكل أسرع، وأن يصبح لها سند قوي، لذلك فإنني أركز على التطوع في برامج الأطفال واليافعين لدعم صحتهم النفسية وتعليمهم العديد من المهارات، وضمنياً مؤازرة «راما».

إهمال

يوجد العديد من الأطفال المنفصلين عن ذويهم، وغير المصحوبين بذويهم، ولاحظت أن أغلبهم يعانون من الإهمال وقلة الاهتمام من قبل المسؤولين عنهم.

«راما» لا تتذكر كثيراً عن أحداث الحرب، ولكن يوجد أطفال شهدوا الاقتتال بأم أعينهم، وعلينا تأهيلهم والحرص عليهم، وأيضاً عدم قطع صلتهم بأهلهم بسوريا، وتذكيرهم أيضاً بوطنهم بشكل مستمر. أحرص دوماً على تواصل «راما» مع أمها وأبيها يومياً وأزرع بها كل الخصال الحسنة، ونخطط دوماً لمستقبلها حتى تدرك أن اللجوء لا يعني الضياع، بل هنالك فرص لإثبات الذات.