لأول مرة منذ سنوات يطلق الشباب الفلسطيني حراكاً ضد الظروف المعيشية السيئة في قطاع غزة وارتفاع الأسعار تحت مسمى «بدنا نعيش»، انطلقوا خلاله بتظاهرة في دير البلح، قلبت المشهد العام ضد حركة حماس المسيطرة على القطاع بعد قمع المسيرة واعتقال المشاركين وتعذيب المواطنين، وأعادت للأذهان ما جرى لحظة الانقلاب عام 2006.

هذا الحراك جاء بعدما أصبح أكثر من نصف سكان القطاع فقراء، بينهم نسبة كبيرة تعيش في فقر مدقع، بالتوازي مع ارتفاع نسبة البطالة، فقرعوا جدار الصمت ودقوا الخزان، بعد تسجيل أرقام قياسية في الظروف المعيشية السيئة التي لم تسجل منذ سنوات طويلة منذ النكبة.

عيش كريم

لم يرفع الحراك في يومه الأول أي شعارات سياسية، بل طالبوا بعيش كريم وتحسين الوضع المعيشي وإلغاء الضرائب التي فرضتها حماس مؤخراً، فكان الرد من رجال الأمن بتكسير العظام وتحطيم المنازل واعتقال أكثر من ألف خلال يومين من انطلاق الحراك، بعد اتهامهم بأصحاب الفتنة.

وزارة الزراعة أعلنت أنها قررت وقف تصدير البندورة والخيار للخارج مؤقتاً لضبط أسعارها في السوق المحلي، بعد الحراك مباشرة، بعدما وصل سعر الكيلو الواحد من البندورة إلى خمسة شواكل، أكثر من دولار أمريكي.

المحلل السياسي هاني عوكل قال إنه من غير المستبعد أن تستفيد «حماس» من هذا الحراك للحصول على دعم مالي من الدول التي تناصرها مثل إيران وقطر، ذلك أنها تعيش ظروفاً مالية وتنقل هذه المشكلة إلى القطاع برفع الضرائب والتضييق على حياة الناس.

ووصف عوكل ما يحدث في قطاع غزة بالتدهور الأمني الخطير، بعد محاولة اغتيال القيادي في حركة فتح أحمد حلس، والناطق باسم حركة فتح عاطف أبو سيف، وتسجيل الاعتداء ضد مجهول.

وتابع: «إذا لم تتجاوب حماس مع مطالب الحراك الشعبي، قد يفرغ القطاع من أهله في يوم من الأيام، ولن تجد الحركة شعباً تحكمه سوى أزلامها، علماً أن هناك موجة جديدة من الهجرة الإجبارية إلى دول أوربية، وهي هجرة غير مرغوبة، ولكن مطلوبة ومبررة بحكم الواقع المرير في غزة».

يتحمل المواطن الفلسطيني في غزة الظروف المعيشية القاسية، فضلاً عن الحروب العبثية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي، وتستغلها “حماس” لتمكين سيطرتها على القطاع، وتجاهل المطالب الشعبية بحياة كريمة، بل أثقلت كاهل مواطني غزة بالضرائب.ويرى المحلل السياسي هاني حبيب أن انطلاق حراك بدنا نعيش يأتي استجابة ورد فعل، ليس فقط نتيجة لتردي الأحوال المعيشية والأزمة الاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة، بل نتيجة لانسداد الأفق أمام أي حلول على أي ملفات من قائمة لا حصر لها من الأزمات، وتعبيراً عن فقدان الأمل.

وبيّن أن الحراك الشبابي جاء بعد حملة من القرارات الضريبية والجمركية التي طالت الخبز والخضار وكل المواد الغذائية الاستهلاكية، والتي عانت منها كل الأوساط: الفئات الفقيرة والمعدمة ومتوسطو الدخل في قطاع غزة.

وانطلق الناس في الحراك بعدما فقدوا الثقة بالفصائل والنخب السياسية، وفقدوا الأمل بإمكانية تغيير الواقع الذي يزداد تردياً، بعدما تأكدوا أنهم بخروجهم لن يخسروا إلا فقرهم وذلهم، أو أن يخرجوا من البلاد، حتى لو أكلتهم أسماك القرش.