«الروح تحب كل ما هو جميل وعميق.. إنها تتعذب كثيراً عندما نجبرها على العيش على نحوٍ سطحي»، من هنا تحديداً انطلقت تجربة فتاة مصرية، كان همّها الأول أن تنقل «كل ما هو جميل وعميق» إلى أناسٍ تحول ظروف إعاقتهم عن الاستمتاع بشيء من الجمال والعُمق، كما تلك التي في الأغاني والقصص الهادفة والقيّمة.
من مقولة الروائي البرازيلي باولو كويلهو، انطلقت بسملة راشد عبد الحميد (19 عاماً) قبل عامين تقريباً متأثرة بها، فهي تؤمن بأن «مشكلة الكثيرين هي اعتياد القبح والسطحية، فلم نعد نرى الكثير من الجمال في الشارع، في السلوكيات والتصرفات وغير ذلك»، ومن ثمّ أرادت بسملة أن تُشارك في نشر الجمال والعمق على نطاق ضيّق في حدود ما تسمح به إمكاناتها، وتحديداً لمن حرموا من جمال الكلمات وعمقها، فهم _ على حد تعبيرها- فئة أولى بالرعاية، وبمنحهم ذلك كحق من حقوقهم، كالصُم والبكم.
«البداية كانت في المرحلة الثانوية، أنا حكّاءة بطبعي، أحب الحكي والقص والغناء، أرى دائماً أن الجمال يكمن في الحكاية وفي الموسيقى، وأن الأرواح تسعد بالقصص والأغاني، لا سيما تلك المُلهمة، والتي تحمل قيمة.. كنت دائماً ما أفكر في الذين حُرموا نعمة الاستماع ونعمة الكلام والحكي.. كيف يعيشون؟ كيف يُحرمون من ذلك الجمال والعمق الذي تحمله الحكايات؟»، تقول بسملة لـ «البيان».
الخطوة الأولى
من تلك التساؤلات اتخذت بسملة - وقد كان عمرها آنذاك 17 عاماً- خطواتها الأولى من أجل مساعدة الصم والبكم على إدراك جمال الحكي والاستماع، فتعلمت لغة الإشارة بأحد المراكز التعليمية الاجتماعية الخاصة بدعم الصم والبكم، وقررت بعد ذلك أن تُكرس حياتها لذوي الاحتياجات الخاصة من ذلك النوع، فحرصت على أن تلتحق بكلية «التربية الخاصة» بعد نهاية المرحلة الثانوية.
«بدأت في مشروعٍ خاص جداً، وهو نقل القيم والجمال في الأغاني الهادفة والقيّمة إلى الصُم بلغة الإشارة.. فبدأت أتدرب على تحويل تلك النوعيّة من الأغاني إلى لغة الإشارة، لإيصال ما بها من معانٍ -وبشكل تمثيلي لنقل إحساس الموسيقى والتعبير عن الموقف- إلى الصم.. وقد لقيت تجاربي الأولى في هذا الشأن تفاعلاً سعدت به منذ أول مرّة قدّمت فيها تلك الأغاني للصم في أحد المراكز الاجتماعية».
من نطاق ضيق لآخر أكثر رحابة تدريجياً، انتقلت بسملة (وهي من مواليد السادس من أغسطس 2000) بين مراكز معنيّة بخدمة الصم والبكم، وبدأت تحرص على إلقاء محاضرات تنموية تشجيعية، من خلال تقديم الأغاني الهادفة، والتي تحمل قيماً إنسانية عن الحياة والحب والنجاح للصُم.
أخبار الصم
«أحرص ألا يكون الأمر وظيفياً، كأني ألقي محاضرة صمّاء جامدة، أو كأني أترجم نشرة أخبار للصم والبكم.. أحرص على الأداء التمثيلي، وأن يكون الكلام نابعاً من قلبي، من أجل أن يدخل قلب المتلقي.. أهم شيء أحاول نقله قبل الكلام الهادف، هو الشعور نفسه، وهذا أكثر ما يحتاج إليه هؤلاء من أجل تذوق الجمال الحاضر في الأغاني الهادفة، والحكايات القصيرة التي أجسدها، منها قصص نجاح وغير ذلك».
تستعد بسملة، وبحلول أسبوع الأصم العربي في الأسبوع الأخير من شهر أبريل، إلى تصوير تلك الأغاني والحكايات التي عكفت على تجسيدها للصم في مراكز مختلفة بمحافظتي الجيزة والقاهرة، بشكلٍ احترافي على نفقتها الخاصة، ونشرها عبر الإنترنت، كي يستفيد منها أكبر قدر ممكن ممن يحتاجونها فعلاً، على أن يكون ذلك نواة مشروعها القادم.. وتتساءل: «لما لا تكون هنالك قناة واسعة الانتشار، وليست شكلية، تكون خاصة بالصم على التلفزيون أيضاً، لخدمة أكثر من 7 ملايين شخص؟». وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، فإن عدد الصم في مصر يصل إلى 7.5 ملايين شخص.
