قالت العرب «شر البلية ما يضحك».. ولعل أزمة الغاز في سوريا فيها ما يضحك رغم المأساة اليومية التي تعاني منها الأسرة السورية بغياب أنبوبة الغاز، وقد بلغ الأمر حدوداً يصل إلى مرحلة التغير في ثقافة الطعام السورية.
جرب السوريون كل الطرق من أجل التحايل على أزمة الغاز التي باتت حديث العامة في سوريا، وخصوصا العاصمة دمشق، وقد كانت أحد الحلول اللجوء إلى الجار لبنان من أجل جلب «أنبوبة» الغاز، ومع ذلك لم تجدِ هذه المحاولات نظراً للمشقة.
أطعمة باردة
وآخر الحلول المضادة لأزمة الغاز انعكست على مائدة السوريين المعروفة بالتنوع باتت اليوم في أبسط حالاتها، حتى كادت أن تخلق ثقافة جديدة، حيث أصبحت العائلة السورية تفضل الأطعمة الباردة.
المائدة السورية انقلبت بشكل سريع من الساخن إلى البارد، نظراً لسهولة التحضير وقلة الكلفة، إذ لا تحتاج هذه الأطعمة إلى الغاز، حتى إن بعض العائلات قلصت الوجبات اليومية من 3 إلى وجبتين، وتلجأ إلى الطبخ مرة واحدة في الأسبوع.
ومن نماذج الأطعمة الجديدة على الطاولة السورية، «الشنكليش» وهو الجبنة المتخمرة وأحد أهم الأطعمة السورية الشعبية. كما أصبح الزيتون طبقاً رئيسياً، وغلب الطابع الأبيض (الألبان) على السفرة.
«البيان» استطلعت آراء نسوة وربّات منازل سوريات، فتراوحت الإجابات بين التذمر والقليل من الفكاهة. تقول أم رمزي خلود الحبال: لقد تغيّرت المائدة السورية في معظم المنازل بشكل كبير من أجل تجاوز أزمة الغاز، فلم نعد نعتمد على الطبخ بشكل أساسي.
وتضيف، كان لا بد من وجود حل للتأقلم مع الوضع، فأصبحت الأطعمة الباردة وما تسمى بـ«المونة» الطبق الأساسي على طاولة الطعام، والمونة (هي أطعمة سورية يتم تحضيرها في الصيف من أجل الشتاء ولا تحتاج إلى الطبخ أو التحضير وغالباً ما تكون بادرة)، مشيرة إلى أن المكدوس والجبنة والألبان عموماً أصبحت سيدة الطعام السوري، فضلاً عن السلطة، على الرغم من سعرها المرتفع.
أما منيرة السقال، وهي سيدة منزل من دمشق فأخذت الأمر من جانب الفكاهة، وتقول: كانت أزمة الغاز مريحة بالنسبة للسيدات، فلم يعد هناك ضرورة «للطبخ والنفخ» على حد قولها ولم يعد الرجال يطالبون بالمائدة المتنوعة والأطعمة الساخنة، لذا نلجأ إلى الأطعمة السريعة مثل «المارتديلا» والأجبان والخُضار التي لا تحتاج إلى الغاز.
تغيير
وتؤكد منيرة أنه بالفعل تم تغيير ثقافة الطعام في سوريا، لافتة إلى أن المجتمع بات يتكيف مع هذا النوع من الأطعمة، وقالت «لا نعرف إلى متى ستستمر هذه الأزمة».. لكن لم يعد الأمر يحتمل.
حتى المشروبات الساخنة التحقت بالمائدة الباردة، فأصبحت العصائر والمشروبات الباردة الأكثر رواجا من الشاي والقهوة، وباعتبار أن هناك أزمة غاز عامة في كل البلاد، حتى المقاهي العامة رفعت أسعار المشروبات الساخنة، وبات الكل يشرب من كأس «أزمة الغاز».
3
تتفاقم أزمة نقص مادة الغاز المنزلي في شتاء كلّ عام نتيجةً لاستخدامه في التدفئة بشكل رئيسي جراء انقطاعات مستمرة للتيار الكهربائي وانخفاض كمّيات المازوت وارتفاع تكلفة الحطب.
يُقدّر الاستهلاك اليومي للمحافظات السورية بـ110 آلاف أسطوانة غاز في الأحوال الطبيعية منها 40 ألف أسطوانة للعاصمة دمشق، وتتضاعف حوالي ثلاث مرات خلال فصل الشتاء، يُغطّي ثلثها الإنتاج المحلّي والباقي يُستقدم استيراداً من روسيا وإيران ومصر.
التسعيرة الرسمية لأسطوانة الغاز 2500 ليرة سورية، إلّا أنّها نادرة الوجود في هذه الأجواء الباردة، ويختلف سعرها في السوق السوداء مُضاعفةً، حيث تُباع الأسطوانة الواحدة حالياً في مدينة حلب بـ12 ألف ليرة سورية، وفي اللاذقية وطرطوس بـ10 آلاف ليرة، وفي دمشق وريفها حوالي 7 آلاف ليرة.
