ربما لم يعرف السوريون أنفسهم هذه البلدة المنسية على ضفاف نهر الفرات الباغوز قبل أن تندلع الأحداث في بلادهم، بل لم تكن هذه البلدة الوادعة معروفة حتى قبل الأحداث الأخيرة التي انتهى فيها تنظيم داعش إلى غير رجعة واختار الباغوز لتكون القبر الأخير له، إلا أن البلدة اليوم تتصدر عناوين الصحف العالمية ونشرات التلفزة لتكون الأبرز في كل التقارير الصحافية.
تقع الباغوز على الحدود السورية العراقية على أطراف نهر الفرات، وهي تقسم لقسمين: الباغوز الأعلى (الفوقاني) والباغوز الأدنى (التحتاني) الذي أصبح الرقعة الأخيرة لتنظيم داعش، وعلى هذه الجغرافيا الصغيرة كتب الفصل الأخير من تنظيم الشر.
تتداخل في هذه البلدة الثقافة العراقية والسورية على حد سواء، بل المساحات الزراعية في سوريا والعراق لا يفصل بينها أي شكل من أشكال الحدود سوى سلك شائك يفصل الباغوز السوري عن الباغوز العراقي، فيما تتداخل العلاقات الأسرية بين الطرفين العراقي والسوري بشكل عضوي، ذلك أن العشيرة في هذه المنطقة قسمتها الحدود ليس إلا.
«البيان» زارت هذه البلدة في وقت سابق مع بداية الحملة العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» على تنظيم داعش ووقفت على التداخل بين الأراضي السورية والعراقية، والتقت العديد ممن تبقى في هذه البلدة التي ذاقت المر على يد تنظيم داعش.
لا تتجاوز الباغوز بشقيها العلوي والسفلي 10 كيلومترات مربعة، ويربطها مع مدينة البوكمال جسر يدعى «جسر حافظ الأسد»، وقد كان صلة الوصل بين الريف الشرقي ومدينة البوكمال، واستخدمه داعش لنقل السلاح والمواد الغذائية، إلا أن التحالف الدولي قام بقصف هذا الجسر في 2016 وقطع شريان حياة التنظيم فيما توقفت الحياة لدى المدنيين بحكم حاجتهم المستمرة إلى مدينة البوكمال واستبدلوا بالجسر القوارب الصغيرة للعبور إلى مدينة البوكمال.
مع بداية الأحداث كان يعيش في هذه البلدة ما يقارب 15 ألف نسمة، لكن الأحداث الأخيرة هجرت ما يقارب 80% من السكان المحليين إلى المناطق السورية الأخرى، بينما هاجر المئات منهم إلى أوروبا مع بداية موجة الهجرة إلى الشمال.
ممر تهريب
في حقبة الدولة السورية قبل اندلاع الأزمة، كانت الباغوز ممر التهريب الاستراتيجي إلى العراق، حيث يتم تهريب السلاح وكذلك بعض المواد التجارية، وقد انتعشت هذه البلدة القريبة من جهة النهر ومن جهة الصحراء في العام 2003 بعد الحرب الأمريكية على العراق، حيث أصبحت الممر الأسهل للإرهابيين العابرين إلى العراق، إذ كان تنظيم القاعدة يستخدم هذه البلدة ممراً له إلى العراق.
ولذلك اختار مقاتلو تنظيم داعش أن تكون النهاية في هذه البلدة من أجل أن يكون لهم منفذ إلى الصحراء أو عبر النهر في أسوأ الحالات، رغم الانتشار الأمني العراقي على الحدود.
تعد هذه البلدة خليطاً من مجموعة من العشائر العربية فعلى سبيل المثال يقطنها العكيدات بنسبة تصل إلى 40% وكذلك عشيرة المراسمة التي لها امتداد عميق في الجانب العراقي، إضافة إلى عشائر أخرى، منها الرحبيون، وتعرضت الباغوز لضربات من التحالف الدولي، إذ كان العديد من قيادات التنظيم يقيم في هذه البلدة نظراً لقربها من الحدود العراقية.
حاورت «البيان» العديد من العائلات من هذه البلدة بعد النزوح الكبير وأكدوا أنهم سيعودون إلى الباغوز بمجرد انتهاء التنظيم، خصوصاً أن بيوت الأهالي في البلدة لم تتعرض للنهب والسلب كما حدث في مناطق أخرى.
ويقول عبود العلي الذي خرج من بلدته وهو الآن في أحد المخيمات، لا تزال الباغوز الأفضل وسيعود الجميع بعد أن ننتهي من كابوس داعش.
أمل العودة
أما عدنان الحزوم من الباغوز الأدنى (التحتاني)، فيقول لـ«البيان» إن التنظيم كان سبباً في نشر الكراهية في هذه البلدة، خصوصاً أنه يعتمد على تجنيد بعض الأهالي للوشاية بمن لا يريدون التنظيم، مشيراً إلى وجود عداوات شخصية في هذه البلدة، إلا أن عودة الجميع ستزيل كل الكراهية.
وبوجود العديد من المقاتلين المحليين في «قسد» يعطي أهالي البلدة الأمل في العودة إلى بيوتهم من دون عمليات سلب ونهب.
