في منطقة سجنان الجبلية، شمالي تونس، حيث لا يزال الماضي يدوّن مآثره في الحاضر ويبحث لنفسه عن مكان ومكانة في المستقبل، تصنع النساء الريفيات أواني وتحفاً من الفخّار (الخزف) يحيين بها ذاكرة التاريخ.
ويستنطقن من خلالها طين الأرض، ويشكّلن ملامح اقتصاد عائلي محدود، لكن بخلفية ثقافية وحضارية، دفعت بمنظمة يونسكو إلى التوقيع رسمياً على إدراج ملفّ عنصر المعارف والمهارات المرتبطة بفخّار نساء سجنان في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي ليونسكو.
ويعد فخّار سجنان أوّل ملف تتقدّم به تونس ويسجّل بعد مرور 20 سنة من غياب التسجيل لدى يونسكو، حيث يمثّل هذا التسجيل خطوة مهمّة نحو إعادة الاعتبار إلى الشأن الإبداعي الحرفي وتثمين إسهاماته في عملية إثراء المشهد الثقافي الوطني وإخراج هذا الفخّار من نطاق المحلية إلى العالمية نظراً لما يحمله من معاجم زخرفية وخصائص تاريخية وفنية واجتماعية واقتصادية متميّزة.
وتوجد بمنطقة سجنان حوالي 60 امرأة تحترف صناعة الخزف، وبمهارات عالية يقمن بتشكيل الألوان، وبرسم ملامح منتجاتهن التي تتراوح بين أوانٍ مرتبطة باحتياجات المنزل، وتحف للديكور وزخارف فنية كالعرائس والدمى والتماثيل والمزهريات والطيور والحيوانات وغيرها.
وجميعها متأتية من مواهب وتجارب نساء أميّات، يقمن بأنفسهن باقتلاع الطين من الجبل، وعجنه، وتحويله إلى منتج فني، ثم إدخاله الفرن، ليخرج مكتمل النضج، قبل أن يبدأن عملية الرسم والتلوين التي تتخذ عبقريتها من بدائيتها وسذاجتها.
فإذا بها تحمل بصمات أمازيغية قديمة. تقول صبيحة العياري إحدى الحرفيات «ورثنا هذه الحرفة عن أمهاتنا، اللواتي ورثنها عن أمهاتهن، ومنذ مئات السنين، والفخار جزء مهم وأساسي من حياتنا، نصنع منه أدواتنا المنزلية المخصصة سواء للطبح أو الأكل والشرب أو لحفظ المؤونة.
واليوم نطور أفكارنا لنقدم مقتنيات جديدة ومختلفة، غير أن تعبنا لا يحقق لنا أي ربح مادي حقيقي، فالناس لا يقبلون على صناعتنا، ولكن اعتراف يونسكو قد يغيّر بعض الشيء. خزّافات سجان، يطمحن اليوم إلى أن يجدن المجال لعرض إبداعاتهن في العالم، وخصوصاً أن منتوجهن يدوي وصحي وغير ملوث، وصديق للبيئة، ويحمل ملامح الجمال والعراقة.
18
انطلقت الاثنين الماضي 18 فبراير تظاهرة «فخار سجنان فخرنا» التي تنظمها المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية في مدينة بنزرت التونسية.
والتي شملت إلى جانب العروض الرياضية والفنية، تنظيم ندوة محورها «فخار سجنان رافد هام للتنمية المحلية»، شارك فيها ثلة من الخبراء والكوادر المعنية بالتنمية المحلية ممن تطرقوا في مداخلاتهم إلى مسائل تهم قطاع الفخار بالمنطقة مثل «إسناد علامة الجودة لفخار سجنان» و«مجال البحث والتجديد مع حرفيات فخار سجنان».
وبعد النقاش مع ممثلات الحرفيات بحضور نائبة الشعب ابتهاج الزاوش وعدد من الإطارات المعنية بالموضوع اقترح وزير الشؤون الثقافية محمد زين العابدين تنظيم أسبوع ترويجي لفخار سجنان بمدينة الثقافة بالعاصمة، على أن يحدد موعده لاحقاً وتعهّد في الأثناء بالتنسيق مع الوزارات والهياكل المتدخلة لتحسين ظروف عمل المبدعات وتنظيم القطاع.
