بينما يبني المستوطنون المئات من الوحدات السكنية دون أي مسوغ قانوني، ويلقون الدعم المالي من حكومة الاحتلال، علاوةً على الخدمات اللوجستية كالماء والكهرباء وشق الطرق، تتخذ سلطات الاحتلال من عدم الترخيص ذريعة لهدم المنازل في مخيم شعفاط للاجئين، الواقع في قلب القدس المحتلة.
أصعب ما يواجه الفلسطينيين في المخيم الحصول على التراخيص اللازمة لتشييد منزل، إذ يتطلب الأمر تكاليف باهظة، علاوةً على التعقيدات والعراقيل التي تضعها سلطات الاحتلال، في حال الموافقة على إصدار رخصة بناء، في محاولة تهدف لتعجيز الأهالي، وثنيهم عن الإقدام على هكذا خطوة.
قبل أيام، هدمت جرافات الاحتلال العشرات من المنشآت والمحال التجارية في مخيم شعفاط، بحجة عدم الترخيص، وفي حين كانت جرافاتها تحيل هذه المنشآت إلى حطام ورماد، كانت سلطات الاحتلال تصادر عشرات الدونمات من أراضي المواطنين في القدس المحتلة، وتحيلها إلى بؤر استيطانية.
عمليات الهدم هذه تندرج في إطار مساعي التهويد، والضغط على المواطنين لدفعهم إلى الهجرة، لا سيما في مخيم شعفاط، الذي يقف شوكةً في حلق دولة الاحتلال، فهي لا تعترف بوجود لاجئين في القدس المحتلة، وتخطط منذ زمن بعيد للقضاء على هذا المخيم وتذويبه، فعمدت منذ سنوات، إلى خنقه بجدار الفصل العنصري تارة، وبالبوابات الحديدية المنصوبة على مداخله تارة أخرى.
الاحتلال المصاب بالعمى السياسي يوهم نفسه بأنه بهذه الممارسات يمكن أن يحبط عزائم المقدسيين، الذين تزيدهم هذه الغطرسة، قوة وصلابة، أمام محاولات الترحيل والتهجير. ويعدّ مخيم شعفاط من أكثر المخيمات الفلسطينية اكتظاظاً بالسكان، وكان قد أقيم بعد 20 عاماً من النكبة، إذ شُيّد عقب «النكسة» عام 1967، وتسكنه عائلات تعود في أصولها إلى 56 قرية فلسطينية، تم ترحيل أهلها، وجميعها تقع في محيط القدس المحتلة، ومردّ ذلك لاعتباره النقطة الأقرب في مشوار العودة إلى الموطن الأصلي.
ويلحظ الزائر للمخيم حجم المعاناة التي يكابدها الأهالي، جراء الاكتظاظ الشديد في المنازل والسكان، إذ يقيم نحو 25 ألفاً من اللاجئين إليه، على مساحة لا تزيد على 203 دونمات، وهي المساحة ذاتها التي سكنها نحو 3500 شخص، عند إقامته. وتحول سلطات الاحتلال دون توسيع المخيم، وتعتبر هذا الأمر غير مسموح به من الناحية القانونية، وفي الوقت ذاته يتوسع جدار الفصل العنصري أفقياً وعمودياً ليخنق سكان المخيم ويفاقم معاناتهم.
ورغم أن نحو 90% من سكان المخيم يحملون بطاقة الهوية المقدسية، فإن سلطات الاحتلال لا تعترف بهم كمقدسيين، بل أخرجت المخيم عام 2004 مما سمّته «غلاف القدس الكبرى»، في خطوة تهدف إلى عزله نهائياً عن المدينة المقدسة.
وفي الآونة الأخيرة صعّدت سلطات الاحتلال من عمليات المداهمة والهدم لمنازل المخيم، وتشريد المئات من سكانه، وفرض الضرائب على البقية، وعن ذلك يقول السكان: «الاحتلال يفرض علينا الضرائب الباهظة نظير خدمات نسمع بها ولا نراها، هو فقط يقدم لنا خدمة هدم المنازل».
وبات مخيم شعفاط محطّ أطماع المخططات الاستيطانية السرطانية، خصوصاً أن دولة الاحتلال تنظر إليه كعقبة كأداء أمام مشروعها التوسعي «القدس الكبرى» ما ينذر باستمرار عمليات الهدم والتهجير بحق سكانه، ولخدمة مغتصبات «بسغات زئيف» و«رمات شلومو» و«التلة الفرنسية» التي قطّعت أوصاله، وجعلته كتلة منفصلة عن القدس المحتلة.