أطفال غزة.. رحلة شاقة بحثاً عن لقمة العيش

مع كل فجر يوم جديد ترسم لوحة جميلة على ساحل المتوسط في غزة، لوحة لم يخربشها أي شيء سوى زوارق الاحتلال الإسرائيلي، تشرق الشمس بعد غفوتها من جديد، وهدير الموج المتلاحق يعيد لغزة الأمل من جديد، ويمحو على شاطئه من أرواح السكان الهم الذي خلفه الواقع المرير، وعلى الرغم من هذه اللوحة الرائعة إلا أن البحر يخفي فوق ظهره وبين تلاطم أمواجه الكثير من عناء الميسورين الكادحين ولكن هذه المرة من الأطفال.

صغار غزة كما الكبار وأكثر يكبرون على عجل أحمد واحد من هؤلاء الذين تركوا الطفولة وراء الموج ومضوا قدماً في حياة الرجال.

أن ترى أطفالاً في عمر الزهور يساعدون آباءهم في رحلة الصيد وبحرها، ليس بأمر سهل. أحمد (12 عاماً) احترف مهنة ليصبح بدوره صياد سمك برفقة والده (55 عاماً) في رحلات الصيد في بحر بيت لاهيا ليبدآ صباحهما بترتيب شباك الصيد المهلهلة منذ أعوام، على أمل أن تجلب لهم رزقاً حلالاً يمكنهم من توفير قوت يومهم ومن أكلة يطلبها زغب الحواصل من بقية الأبناء في البيت.

أوضاع صعبة

الصياد أبو إبراهيم كغيره من الصيادين في غزة المحاصرة بحراً وبراً يمر بأوضاع صعبة للغاية من الناحية الاقتصادية، خاصة مع تراجع معدلات صيد الأسماك بسبب ملاحقة جيش الاحتلال لهم في عرض البحر ونتيجة الحصار البحري الإسرائيلي، وكل ما يتحصله أبو إبراهيم من وراء صيده بعض الشواكل لا تتجاوز الـ30 دولاراً في أفضل أيامه.

يقول الصياد أبو إبراهيم أبو حليمة وعيونه تكاد تقطر دماً من شدة الإرهاق عملنا مرهق للغاية ويسبب لنا العديد من الأمراض خاصة آلام الظهر والمفاصل الناتجة عن الجهد الكبير الذي نبذله إضافة لأجواء البرد الشديد التي نعمل بها، لكن في النهاية هذا مصدر رزقنا الوحيد ولا يمكن الاستغناء عنه، ويضيف قائلاً: «لم أعد اليوم أستطيع الصيد وحدي، فبرد الشتاء منذ سنين نخر مفاصلي وأطرافي، وبدأ الألم يزداد مع مرور الوقت، لكن حاجة أبنائي تجبرني على المكافحة أمام هذا الوجع لتوفير قوت أطفالي ورسم البسمة على وجوههم في هذه الأوقات السوداوية.

شقاء العيش

ويضيف أبو إبراهيم أن الألم يعتصر قلبه عندما ينظر إلى فلذة كبده يكابد معه شقاء العيش في غزة وبحرها، ليبدأ هاجس التفكير في المستقبل المظلم الذي ينتظر أحمد وأشقاءه، وخلال حديث البيان معه التفت إلى ابنه طالباً منه السرعة في العمل على تجهيز الشباك للبحث في جولة أخرى عن الأسماك قائلاً بكل انكسار: لقد جعلته يترك مقاعد الدراسة حتى يقف بجانبي في تأمين لقمة العيش.

هنا أدار أحمد وجهه نحو الشباك المهترئة وأصبح يتفحصها بعناية ونظراته تقول للشباك «لا تعيريني ولا أعايرك الهم طايلني وطايلك» فحياتي معقدة أكثر من عقدك، ولكنني عالق بك وبهذه الحياة الصعبة دون مستقبل.

يقول أحمد: حتى هنا في غزة يأتي الأطفال إلى الشاطئ في الصيف منذ بدء الإجازات المدرسية مع ساعات الصباح ويلعبون ويسبحون ولا يعودون إلى بيوتهم إلا بعد غروب الشمس، لكني أكره البحر لأنني لا أعرف من البحر إلا حرارة الشمس في الصيف والبرد القارس في الشتاء إذ لا وقت لدي للسباحة والاستمتاع باللعب على الشاطئ كبقية الأطفال، لأنني منشغل بالعمل مع والدي في كسب الرزق من أجل إعالة بيتي قائلاً: «أمنيتي أن أعيش كباقي أطفال العالم».

بحزن الكبار يتحدث عن أمنياته قائلاً: «نعم بودي إكمال دراستي وأن أفرح مع أصدقائي وأجلس تحت شمسية مع إخوتي، أريد أن أجري على الشاطئ وأبني بيتاً من الرمل وألعب كرة القدم بعيداً عن هذا القبر داخل القارب».

فخر

وعلى الرغم من الحزن الذي يعتلي وجهه إلا أنه فخور بمساعدة والده في الحصول على قوت يومهم معتبراً أن هذه المساعدة تشكل طوق نجاة من غول الفقر الذي ينهش غزة وأهلها.

يذكر أن جيش الاحتلال «الإسرائيلي» يفرض حصاراً برياً وبحرياً منذ أعوام، يمنع خلاله الصيادين في قطاع غزة من التقدم لأكثر من ستة أميال، ويطلق النار بشكل يومي صوب الصيادين، الأمر الذي أدى لاستشهاد وإصابة الكثير منهم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات