الخُبّيزة.. سيّدة موائد فقراء غزّة

Ⅶ الخُبّيزة من ثوابت الأكلات الشعبية الفلسطينية | أرشيفية

لم يجد سكان قطاع غزّة سوى وريقات خضراء، تسلّلت من منابت جذور الأرض، وفرضت نفسها طبقاً مفضّلاً على موائد من لا يملكون ثمن اللحم، فهي لا تحتاج الثمن الباهظ الذي تتكلفه اللحوم.

كما لا تتطلّب جهداً في زراعتها، إذ يجود بها الشتاء، ضمن ما يجود به على سكان القطاع. لقد أصبحت الخُبّيزة أحد أهم الأطعمة لدى سكان القطاع، لما فيها من فوائد صحية لا تخطئها العين، فضلاً عن أنّها توفّر عليهم الجهد والمال معاً.

هي نبات عشبي ذو وريقات خضراء، موسمي بري وشعبي، يبدأ بالظهور مع هطول الأمطار في فصل الشتاء، فيقبل عليه الأغنياء قبل الفقراء، كونه طعاماً يشكل نموذجاً تراثياً، يعكس ما كان يعتمده الآباء والأجداد من طعام في الشتاء، إذ يشكّل لدى الأجيال الحالية، صورة ذهنية عما كان يتناوله أجدادهم من أصناف أطعمة موسمية، وسبيل للفقراء، يزيح عن كاهلهم عبء توفير قوت يوم، قد يكلفهم ما لا تحتويه جيوبهم.

موسم الشتاء

اعتادت أم نبيل «62 عاماً» وأسرتها، على تناول «الخُبّيزة» كل شتاء منذ عقود، تقول:

«لا أتخيل أن يمر علينا موسم شتاء واحد، دون أن تكون الخُبّيزة طبقاً رئيساً على موائدنا في أغلب أيام الموسم، يحبها الصغار والكبار، وأقوم بطهيها بالطريقة التي اعتدت عليها منذ أن كنت في العشرين من عمري أشاهد أمي وجدتي وهن يطبخنها، هي شيء من الماضي الجميل وعبق، أشعر به وأنا أطهو الخُبّيزة لأسرتي التي تحبها، وأستذكر كيف كان طعامنا، ولا يزال، بسيطاً ومفيداً في الوقت ذاته».

وتردف أم نبيل: «طريقة طهوها سهلة جداً، تعتمد في موروثنا على ما يضاف إليها من كزبرة وبقدونس وفلفل حار وثوم، إلى جانب زيت الزيتون، الذي يضيف للخبيزة نكهتها المميزة، وطبعاً في البداية، قبل إضافة ذلك كله، أقوم بغسل الخُبّيزة جيداً، وفرم سيقانها وتقطيع أوراقها لقطع متوسطة الحجم، ويتم بعد ذلك طبخها، وتقدم في النهاية مع الزيتون وبعض أنواع المخللات، التي يفضلها البعض ولا يحبذها آخرون.

تكافل اجتماعي

في الماضي، كانت هناك طقوس خاصة لطهو الخُبّيزة، حيث كانت تجتمع بعض النسوة ويوزعن أطباق من الخُبّيزة على بيوت المحتاجين والفقراء، كمظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي، الذي يعبّر عنه أهل غزة في كل ضائقة يعيشها القطاع، محاولين مساعدة بعضهم البعض، بشكل يعكس مدى التعاضد والتعاون بين أبناء قطاع غزة، وقديماً .

كما سمعنا من أمهاتنا وجداتنا، أن أغاني شعبية من التراث الفلسطيني، كانت ترددها النسوة أثناء طهوهن الخُبّيزة». ورغم أنّ نحو 65 في المئة من سكان القطاع، يعيشون تحت خط الفقر.

واعتماد 80 في المئة من السكان على المساعدات الإنسانية، تبقى الخُبّيزة سيّدة المائدة في قطاع غزّة، تعين السكان على الضائقة الاقتصادية في ظل الحصار، كما أنّها تمثّل مصدر دخل لمن يملكون أرضاً تنبت وريقاتها، ليبيعوها بأسعار زهيدة، تلائم الوضع الاقتصادي لمواطني القطاع.

40

تعتبر «الفريكة»، إحدى أشهر وأقدم الأكلات الشعبية الفلسطينيّة، وأهمّ الصناعات الغذائية في المنطقة. ومنذ ساعات الفجر الأولى يبدأ مصنّعو الفريكة بنثر سنابل القمح على البيدر، وهو عبارة عن ساحة واسعة يجمع فيها القمح.

وتترك لنحو ساعتين تحت أشعة الشمس، ثم تبدأ عملية الشواء. ويستخدم في شواء القمح غير الناضج، النيران المنبعثة من ألسنة خراطيم موصلة بعبوات غاز، تقلب خلالها «سنابل القمح» لتصبح مشوية. وعادة ما يستمر موسم الفريكة نحو 40 يوماً من كل عام بين قطف وشواء (في فترة تمتد خلال شهري أبريل ومايو).

بينما يأخذ أوقاتاً أخرى في عمليات التجفيف والتنقية والتغليف حتى يصبح بين أيادي المستهلكين. وبينما يعمل العمّال المقسّمون فرقاً، على شواء القمح، يقوم آخرون بجمعه بعد عملية الشواء.

ومن ثمّ نقله عبر عربات يدوية قبل عملية القيام بعملية فرز آلية، تصفّي الحبوب ممّا يعلق بها من شوائب، وتعبئتها في أكياس خاصة، ونقلها آخر الأمر إلى مصانع خاصة للتنقية والتغليف، في حين أنّ جزءاً من المنتج يسوّق يومياً، حيث يؤكل طرياً مشوياً، دون إعادة طهيه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات