في الواقع طالما تسعى الشعوب إلى الحفاظ على تراثها وإرثها التاريخي، إمعاناً منها بضرورة حماية هذا الموروث الذي يعكس بصورة أو بأخرى حضارة شعب وتاريخه، ولتبقى صورة الماضي التليد حاضرة ما بين معطيات مضت وأخرى لا تزال حاضرة.
مجموعة من الطلبة والطالبات يسعون بقيادة المهتم بشؤون الآثار فضل العطل، للتعرف على كل مكنون تراثي يحتويه قطاع غزة ضمن مبادرة أطلق عليها اسم «مبادرة أطفال بردج»، الذي يترأسها العطل بجانب مجموعة من الطلاب الذين حملوا في وجدانهم الحرص على الأماكن التاريخية الأثرية، ما دفعهم إلى ترجمته واقعاً على الأرض من خلال بدئهم نشاطاً تطوعياً هو الأول من نوعه في غزة، إذ يعملون من خلاله على الإطلاع البحثي والتنقيبي على الأماكن التاريخية التي لم تحظَ برواج لدى المواطنين في غزة، وبالتالي تعريف السكان بها، وتقديم الحلول التي من شأنها الحفاظ على جمالية هذه الأماكن الأثرية المهجورة، وتنظيفها مما قد تحتويه من مخلفات ومظاهر إهمال نتجت إثر تعاقب السنين وعدم المعرفة الكافية بها.
أول الثمر
مدرسة الكاملية في البلدة القديمة بغزة كانت أول الثمر بالنسبة لهذه المبادرة ولن تكون الأخيرة. مدرسة تقع بين ثنايا المحال التجارية في البلدة القديمة، حتى يخيل للناظر الذي يمر من هناك بأنها مكان مهجور، دون أدنى علم للكثيرين منهم بأنها مدرسة تم بناؤها سنة 1237م، وسميت بـ«الكاميلية» نسبة للملك الكامل بن الملك العادل الأيوبي الذي بنيت في عهده، وفترة الحكم الأيوبي والمملوكي والعثماني لفلسطين كانت المدرسة تفتح أبوابها للطلاب الفقراء، ولكنها الآن لم تعد أكثر من مكان مهجور يحتاج للترميم.
الطلاب، من ناحية، يطمحون من خلال هذه المبادرة إلى توعية الناس بهذه المدرسة وتعريفهم بتاريخها، ومن ناحية أخرى يجتهدون بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار لجعل المدرسة مكاناً يرتاده الزوار من خلال تحويله إلى مكتبة ثقافية تحوي العديد من الكتب التي يستفيد منها طلبة المدارس والجامعات.
الأستاذ فضل العطل يقول لـ«البيان»: «في البداية شعرت أنا والطلاب أننا أمام تحدٍ صعب وغريب، فمبادرة فردية يقوم عليها طلبة صغار تشير إلى أمرين، أولهما التعبير عن مدى الحرص الوطني والثقافي الذي يستوطن نفوس هؤلاء الطلبة ما جعلهم يشاركون في ترميم هذا المبنى كبداية والعمل على إصلاح مبانٍ أخرى لاحقاً وتعريف الناس بتاريخها. الأمر الثاني يشير إلى ضرورة توعية هذا الجيل بموروثه الثقافي وحثه إلى أن يكون عنصراً فاعلاً في الحفاظ على الأماكن الأثرية من الضياع».

22
تعد فلسطين من أغنى دول العالم من ناحية الآثار، حيث تتنافس مع مصر على المرتبة الأولى الآثارية في الوطن العربي، وهي أكثر دولة في العالم مرّت بها حضارات، حيث إن 22 حضارة مرّت عليها، أولاها الحضارة الكنعانية، ولا تزال هناك آثار حتى يومنا هذا.
وفلسطين هي حلقة الوصل بين قارتي أفريقيا وآسيا، والأرض المقدسة لكل الديانات السماوية، وقبلة المُسلمين الأولى ومهد المسيح عليه السلام.
وقد كانت قديماً تستقبل الجميع، حيث رحّبت بالسياح من كل أنحاء العالم، لكنها اليوم تعاني واقعاً مراً وصعباً قسَّمها إلى أجزاء ومناطق، فلولا الاحتلال الصهيوني الذي شرد أهلها وهدّم كثيراً من معالمها لكانت فلسطين من أهم الوجهات السياحية ليس في الشرق فحسب، وإنما في العالم أجمع.
