تقارير « البيان»

دمٌ في ظلال الزيتون.. وحرب على «الأخضر»

هناك في تزامن المجازر مع موسم قطاف الزيتون، ما يبرر القول: «لو يعرف الزيتون غارسه.. لصار الزيت دماً»، ففي هذا الموسم أكثر من غيره ما يُثبت إصرار المستوطنين ومن يقف وراءهم، على إرباك العلاقة بين إنسان هذه الأرض.

ورمز تاريخه وديمومته عليها. في هذا الموسم، الذي عادة ما يكون عرساً ريفياً كبيراً، امتلأ المزارعون بالهواجس، وصار القطاف شكلاً من أشكال التحدي والصمود، وفي حقول الزيتون سقط شهداء.. وجرحى، ليتعمّد الزيت بالدم، والفلسطينيون لن يَقتُل فيهم الموت إحساسهم القوي بالحياة، وإصرارهم على الحفاظ على دورتها. لموسم الزيتون في فلسطين، قصص وحكايات.

فهو يرمز للخصب والعطاء والبركة، فهنا لمّة عائلية حول الشجرة المباركة، وهناك فرحة صادقة تعلو وجوه المزارعين، والأطفال يشاركون على طريقتهم، فيما الكبار يرصدون «خير السنة» في المعصرة، ويفرحون بـ«الذهب الأصفر».. إنها شجرة مباركة «زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضئ، ولو لم تمسسه نار».

في موسم الزيتون، طقوس وعادات وتقاليد، وأجواء حميمية لا تتوفر في غيره، متعة بين أحضان الطبيعة الخلابة، الطهي على الحطب.. و«الشاي على النار».. وتناول طعام الإفطار تحت جذع زيتونة.. ذكريات تعيد الكبار إلى طفولتهم، المعونة بين الأقارب والجيران، أجمل العادات، وقصائد يتردد صداها في الفضاء الرحب، أصوات تتعالى هنا وهناك، والكل منهمك في جمع حبات الخير، على وقع صوت المذياع.

عداء لـ«الأخضر»

في كل عام، تصعّد قوات الاحتلال حربها على الزيتون، فنشهد «حفلات» التجريف السادي، لتطال «الأخضر واليابس» وتدفن يومياً أحلاماً صغيرة، لمزارعين لا يملكون سوى هذه الأرض كي يعتاشوا منها، وتبقى مئات الأسر بلا مصدر للرزق، إنهم يقتلعون الزيتون قبل أن يرى الزارعون ثمره.

ويحوّلون الأغصان الخضراء اليانعة، إلى حطب قبل الأوان، وحتى أوراق الشجر، التي لها أوصاف جميلة في الأغنيات الشعبية الفلسطينية، فإنها تتحول إلى مرثية، ولسان حال الفلسطينيين يقول: «زرعنا فقلعوا.. ونزرع ليقلعوا».

موسم المجازر

من هنا، فلا غرابة، وليست مصادفة، أن يرتكب الاحتلال سلسلة من المجازر بحق الفلسطينيين في موسم الزيتون على مر التاريخ، فمن مجزرة قبيا (14/‏‏10/‏‏1953) وراح ضحيتها 67 شهيداً وعشرات الجرحى، إلى مجزرة كفر قاسم (29/‏‏10/‏‏1956) .

وراح ضحيتها 49 شهيداً وأضعافهم من الجرحى، وجلّهم من المزارعين العائدين من الحقول، فمجزرة «الأقصى» (8/‏‏10/‏‏1990) إبّان الإنتفاضة الأولى، وراح ضحيتها 22 فلسطينياً، وأكثر من 200 جريح، وليس أخيراً، في مجازر «العودة» بقطاع غزة.

مجازر

اعتاد مستوطنو «الكاوبوي» وجيش الاحتلال، على أن يخلطوا الزيت بالدم، في ساديّة إجرامية، تستهدف الأرض الطيبة وزيتونها المبارك، فأشجار الزيتون كذلك، لطالما تعرضت لمجازر جماعية، لكن الفلسطينيين يصرّون على الحياة والبقاء، والانتصار على أعداء الزيتون، أما المحتلون فتتجلى فيهم مقولة شاعر القضية الفلسطينية، محمود درويش «عابرون في كلام عابر».

تعليقات

تعليقات