فوجئ التونسييون بمشهد تدمير جزء من تراثهم العريق، على طريقة الجماعات الإرهابية، حيث أقدم سكان محليون ينتمون الى الاخوان على هدم جانب من شبكة قنوات المياه المعروفة باسم الحنايا الرومانية، بمدينة المحمدية التي بنيت في الفترة ما بين 117 و138م، لجلب مياه الشرب انطلاقاً من منبع مياه جبل زغوان ( 50 كيلومتراً جنوب غرب العاصمة ) إلى مدينة قرطاج، وذلك بدعوى تسببها في حصر مياه الأمطار في تجمعات تهدد المساكن التي تم بناؤها بعد عام 2011 دون تراخيص قانونية.
جدل
وأثار هذا التصرف جدلاً وغضباً في البلاد، خصوصاً أن الهدم تم بجرافات البلدية التي يخضع مجلسها إلى حركة النهضة منذ انتخابات مايو الماضي، فيما أكدت وزارة الشؤون الثقافية اتجاهها لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية المعلم، منددة بعملية التعدي على الآثار، وداعية كل المتساكنين والسلطات المحلية، إلى ضرورة احترام الموروث الأثري والتاريخي التونسي والإنساني. كما أعلن المعهد الوطني للتراث، أنه «يحتفظ لنفسه باتخاذ كل الإجراءات التي يخولها له القانون، واتخاذ كل التدابير اللازمة لوضع حد لمثل هذه الاعتداءات غير المسؤولة للحفاظ على تراثنا الوطني، بما له من رمزية تاريخية وإنسانية».
وأشار المعهد إلى أن هذا المعلم بناه الرومان في أوائل القرن الثاني الميلادي، في عهد الإمبراطور هدريانوس. لتأمين توصيل المياه إلى قرطاج عبر الحنايا، إ ، ما جعل شبكة قنوات مياه زغوان تستطيع الاستمرار إلى يومنا هذا.
وأضاف المعهد أن هذا المعلم يعتبر واحداً من أهمّ الشّواهد التّاريخية بهندستها المعمارية الرومانية، وكان يؤمن نقل المياه من أربعة مصادر وبقناة مائية على طول 132 كيلومتراً، يعتبر المركب الهيدروليكي الأكبر على الإطلاق، وهو مصنّف منذ 16 نوفمبر 1928 كتراث وطني، وتم تسجيله منذ فبراير 2012 ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي.
ثقافة «داعشية»
وقال مركز دراسة الإرهاب والديمقراطية، إنه «بعد إقدام مجموعة على هدم جزء من الحنايا في منطقة المحمدية، بتحريض من فرع التنظيم الإخواني في تونس، يعلن تنديده بهذه الجريمة في حق هذا المعلم التونسي، ويوجه دعوة إلى الجهات المعنية بالأمر لوضع حدّ للاعتداءات المتكررة على المعالم التاريخية التونسية». كما دعا إلى تخصيص جهاز أمني لحماية المعالم التاريخية التونسية من النهب والتخريب الذي تمارسه بعض التنظيمات، سواء بدافع النقمة الحضارية على تونس، أو للاتجار بالقطع الأثرية، وإلى فتح تحقيق جريء وجدّي للنظر في معضلة نهب الآثار والقطع الأثرية.
من جهته أبرز زهير حمدي الأمين العام لحزب التيار الشعبي، أن «الحنايا الرومانية التي بنيت في القرن الثاني ميلادي لنقل المياه من زغوان إلى قرطاج، تهدم اليوم في جزء منها بمدينة المحمدية»، وأضاف أن بلدان «الربيع العربي» شهدت الموجة الأبشع من موجات تخريب العمران والآثار والتراث الإنساني، وكان أشنعها تدمير متحف الموصل بالعراق وتخريب وتدمير آثار تدمر بسوريا من قبل تنظيم داعش، وقبلها جرى تحطيم تمثال بوذا بأفغانستان، من قبل حركة طالبان في تسعينيات القرن الماضي.
تجريف حضاري للعمران
وأردف حمدي «اختلفت تسميات الجماعات هنا وهناك، لكن العقلية واحدة والأسلوب واحد والنتيجة واحدة. فقط حجم التجريف الحضاري والتخريب للعمران والتراث، يختلف بقدر درجة التمكن من الحكم والسيطرة على مجال التجريف.