ينتشر التعقيد العسكري وخارطة توزع القوى اللاعبة في سوريا بشكل لافت للأنظار، ولعل الصراع السوري ابتكر طريقة في تعايش الأعداء ولو كانت بينهم كليومترات معدودة وأحياناً لا تتجاوز الكيلومتر الواحد كما هو الحال في محافظة دير الزور، حيث بات مصطلح شرقي الفرات وغربي الفرات يشكّل أساساً في الصراع السوري.
تنتشر قوات سوريا الديمقراطية على الضفة الشرقية من نهر الفرات، ومعها هناك ما يقارب 3 قواعد عسكرية أميركية تعتبر الأهم في المنطقة، بينما على الضفة الأخرى في غربي الفرات تنتشر الميليشيات الإيرانية وقوات النظام السوري ولا يفصل بين الطرفين سوى نهر الفرات في أضيق مساحاته التي تصل إلى 500 متر.
هدوء
حالة من الهدوء على ضفتي الفرات، بين الأطراف المتصارعة ويعود هذا الهدوء إلى التفاهم الأميركي الروسي في منتصف عام 2015، حين قرر الطرفان عدم الاشتباك في هذه المحافظة وانسحب هذا الاتفاق على قوات سوريا الديمقراطية من جهة وقوات النظام والميليشيات الإيرانية من جهة أخرى، وقد تكونت هذه التركيبة (شرقي الفرات وغربي الفرات) في أعقاب عاصفة الجزيرة لمحاربة تنظيم داعش، تزامناً مع معارك الرقة في نهاية عام 2016، حين كان التسابق إلى محافظة دير الزور من يسيطر على هذه المدينة، ونتيجة التسارع والتنافس استقر الطرفان على أطراف الفرات حتى هذه اللحظة.
التموضع
ورغم هذا الانقسام على الضفتين (الشرقية والغربية) يحاول الأهالي من ريف دير الزور التموضع في تلك المناطق بما يخدم مصالحهم والهروب من مفرزات الانقسام الحاصل، فحين يذهب أولئك القاطنين في الجهة الشرقية إلى الجهة الغربية فهم مضطرون إلى بيع الولاء للنظام، وكذلك العكس حين يأتي أهالي الضفة الغربية يبيعون الولاء إلى قوات سوريا الديمقراطية من أجل العبور.. ويواجهون سؤال: «كيف تعيشون في ظل قوات الأسد والميليشيات الإيرانية».
تداخل الحالة العائلية والعشائرية بين ضفتي نهر الفرات لم تتمكن معها الحالة العسكرية من القضاء عليها، فمن هو غربي النهر له مجموعة من المصالح الاقتصادية شرقي النهر، فضلاً عن الارتباط العائلي وهم في هذه الحالة مضطرون للمرور بين الضفتين. يقول غسان جاسم من سكان أبوحمام (شرقي الفرات): «نذهب من أجل توزيع المواد الغذائية في منطقة الميادين (الضفة الغربية)، ونعاني المُر خلال المرور عبر مناطق النظام؛ كوننا نعيش تحت سيطرة سوريا الديمقراطية»، ويضيف: «لا ذنب لنا سوى أننا خضعنا لتعقيدات الصراع وجاءت قوات سوريا الديمقراطية إلى شرقي الفرات، لكن نحن من يدفع الثمن في كل مرة عندما نذهب إلى الضفة الغربية، ناهيك عن الابتزاز من قبل قوات النظام».
مصالح
واضطر العديد من رجال الأعمال الذي تربطهم مصالح اقتصادية في غربي الفرات، لترك هذه المصالح من ورش صناعية ومحال تجارية كون النظام وضعهم على لائحة المطلوبين وخسروا كل ما يملكون من مصالح هناك بسبب هذا التقسيم الذي أفرزه الصراع في محافظة دير الزور.
بين شرقي الفرات وغربه العديد من التناقضات والروايات غير المكتملة، وذلك بطبيعة الحالة الاندماجية السابقة بين الطرفين في الماضي، إلا أن هذه الأمتار من نهر الفرات قسّمت الأحوال والبشر والمصالح.. لقد كان النهر في الماضي همزة وصل، لكنه اليوم همزة قطع للطرفين.
