لا يمكن لأحد التنبؤ بمآلات الأمور في قطاع غزة، في ظل تصعيد إسرائيلي يوحي بأن غزة باتت قاب قوسين أو أدنى من عدوان عسكري شامل جديد، رغم كل الحديث الذي يجري عن «هدنة» طويلة الأمد، مقابل رفع الحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من 11 عامًا.

لكن «وراء الأكمّة ما وراءها» كما يقال، التصعيد الإسرائيلي في القطاع الذي تتباكى سلطات الاحتلال على أوضاعه الإنسانية الصعبة، يرمي إلى أهداف عديدة، من بينها التمهيد لشن حرب جديدة، وإغراقه في وحلها، والضغط على المجتمع الدولي لابتزاز مواقف وتنازلات تصب في مصلحة الاحتلال.

في الأيام الأخيرة، أخذ جيش الاحتلال يحشد قواته في محيط غزة، في وقت أطلق فيه قادة الاحتلال، سلسلة من التهديدات برد مدمّر، حيال التعرض لتلك القوات، ودعا هؤلاء جيشهم وقواتهم للاستعداد للسيناريوهات المحتملة على طول الحدود، وتزامن هذا الحشد، مع نشر جيش الاحتلال منظومة القبة الجديدة، في تطورات مترابطة تؤشر على تصعيد خطير، وتؤكد أن الاحتلال يقرع طبول الحرب من جديد، وهو يختلق الذرائع لشن هذا العدوان.

منذ العام 2007، شن جيش الاحتلال الإسرائيلي أربع حروب شاملة على قطاع غزة، وقد طالت عمليات القصف الجوي والمدفعي كل شيء في القطاع، البشر والشجر والحجر، ولم تسلم المدارس والمستشفيات والمقرات الإعلامية، واستخدم جيش الاحتلال الفوسفور الأبيض القاتل في عمليات قصفه المركز والعشوائي في غزة التي ما زال الآلاف من أهلها في خيام أو بيوت أقارب، بعدما دمرت بيوتهم في الحروب الأربع.

خيارات محدودة

ويرى مراقبون ومحللون أن التصعيد الإسرائيلي بات محصوراً في خيارات محدودة، أبرزها: خيار الحرب الشاملة، للقضاء على ما تبقى من مكونات الحياة لسكان القطاع، لا سيما في ظل استمرار الحديث عن «الإرهاب»، وضرورة اقتلاعه. ولعل لغة التصعيد التي نزعت سلطات الاحتلال باتجاهها، في غزة، تندرج في إطار خطة وضعها ما يُسمّى «المجلس الوزاري المصغر» الإسرائيلي، وتتمثل في ضربات عسكرية سريعة، للتقليل من الخسائر البشرية في صفوف جنود الاحتلال، على أن يكون هذا السيناريو مقدمة لعدوان شامل.

ويرجّح المراقبون، بأن تعمد قوات الاحتلال لتصعيد عدوانها على غزة، تمهيداً للحرب الشاملة، لتجاوز حالة الرفض التي قوبلت بها صفقة القرن، ولجعل غزة، أداة طيّعة في يدها، إذ بات تفكير قادة الاحتلال، ينصبّ على ضرب قطاع غزة، ولو تطلب الأمر التوغل إلى أرض القطاع، بحرب طاحنة، بهدف تنصيب من يتفاوضون معه مستقبلاً، ويوقعون الاتفاقيات السياسية معه.

هدنة

يبدو التصعيد الأخير في غزة، والمتزامن مع التهديد والوعيد بعدوان شامل، كـ«بروفة» ومقدمة لحرب طاحنة، الهدف منها الضغط على فصائل المقاومة، لتقديم تنازلات، والموافقة على الهدنة التي كانت طرحت أخيراً، والتضييق أكثر على السكان الذين يكابدون حياة صعبة، وإرغامهم على القبول بصفقة القرن، علاوة على تكريس فصل غزة عن الضفة، لإحباط كل مساعي إقامة دولة فلسطينية.