ما إن تنشط لقاءات الفصائل الفلسطينية، بغرض إتمام المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني، حتى تنشط الدوحة في التأثير على مواقف حركة حماس، نتيجة للتقارب بينهما، لتعود الأمور إلى المربع الأول، وتذهب كل اللقاءات والمباحثات والاتفاقيات أدراج الرياح.
وأكدت مصادر فلسطينية رفيعة لـ«البيان» أنه في الجلسات المغلقة في حوارات القاهرة الأخيرة، كانت تدور لقاءات داخلية لبعض قيادات حركة حماس، للتشاور بشأن بعض المقترحات المطروحة، وكانت هذه القيادات تبدي حرصها على التماهي مع المواقف القطرية.
المصادر ذاتها، والتي لم تشأ الكشف عن هويتها، أكدت بما لا يدع مجالاً للشك، أن المواقف الحمساوية، تجاه المصالحة تحديداً، لا تخرج عن ما تمليه عليها الدوحة، التي تدرك تماماً أن توقيع الحركة على تنفيذ المصالحة طبقاً للورقة المصرية قد ينهي دورها في فلسطين، الأمر الذي تسعى قطر لتفاديه بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب الشعب الفلسطيني.
هدنة طويلة
مؤخراً، كثر الحديث عن توقيع اتفاقية تهدئة، وهدنة طويلة الأمد، ما بين حركة حماس ودولة الاحتلال، برعاية قطرية، الأمر الذي رفضته القيادة الفلسطينية، واعتبرته تغريداً قطرياً خارج السرب، وعزفاً منفرداً على وتر أنسنة الموضوع الفلسطيني في قطاع غزة، وحصره في الجانب الإنساني فقط.
الدوحة كانت قدّمت من خلال سفيرها في غزة، محمـد العمادي، الذي أدمن في الآونة الأخيرة اللقاءات مع مسؤولين إسرائيليين، مبادرة منفردة لهدنة طويلة الأمد ما بين حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، منذ أكثر من 11 عاماً، وإسرائيل، ولم يرد في مبادرتها أو حساباتها عودة السلطة الفلسطينية للحكم في غزة، بل إنها تجاهلتها بشكل لافت، الأمر الذي أثار غضب القيادة الفلسطينية وأركانها.
غضب فلسطيني
ردود الأفعال الغاضبة وردت على لسان القيادي عزام الأحمد، عضو تنفيذية منظمة التحرير ومركزية حركة فتح مفوّض العلاقات الوطنية ومسؤول ملف المصالحة، الذي اعتبر موافقة حماس على الهدنة أنها مخطط عدائي يصيب الوحدة الوطنية في مقتل، ويفصل قطاع غزة عن دولة فلسطين المعترف بها من المجتمع الدولي على حدود عام 1967.
وبدوره، اعتبر د. صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إبرام فصيل فلسطيني بمفرده اتفاقية تهدئة مع إسرائيل بمثابة قاعدة أميركية، ونقطة ارتكاز لتنفيذ صفقة القرن وتدمير المشروع الوطني الفلسطيني برمته، لافتاً إلى أن هذه الحالة لم يعهدها الشعب الفلسطيني من قبل.
ولم يبتعد القيادي في الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني رائد عبدالله كثيراً، إذ أكد أن الوساطة القطرية بين حماس وإسرائيل إنما تندرج ضمن المساعي القطرية وسياستها الرامية إلى لعب دور إقليمي يعيد لها هيبتها المفقودة، بعد أن ثبت بالدليل القاطع دورها المشبوه في خدمة المصالح والأطماع الخارجية، وأبرزها الإسرائيلية.
ومنذ أكثر من شهر، نأت قطر بنفسها في رعاية مفاوضات شبه سرية، وأحياناً علنية بين حركة حماس ودولة الاحتلال، بينما دأب سفيرها في غزة، محمـد العمادي، على لقاء مسؤولين وقادة إسرائيليين، تحت ذريعة معالجة الوضع الإنساني الصعب في قطاع غزة، وبحسب مراقبين، فإن قطر لم تكن لتلعب هذا الدور لولا علاقتها الحميمة مع الجانبين، والمقصود هنا حركة حماس ودولة الاحتلال.
مكاسب للدوحة.. والخسائر فلسطينية
تمارس الدوحة ضغطاً غير مسبوق لإبرام صفقة هدنة طويلة الأمد مع الاحتلال، لتحقيق مكاسب سياسية للدوحة، وتثبيت أقدام «حماس» في غزة، من خلال تحسين الأوضاع المعيشية لسكان القطاع، الذين يعانون الأمرّين منذ 11 عاماً، هي عمر سنوات الانقسام السوداوي الفلسطيني.
ولا تخرج الوساطة القطرية مع حركة حماس عن التنسيق مع حكومة الاحتلال، الأمر الذي يضر بجهود المصالحة الفلسطينية التي تدور رحاها من جديد في العاصمة المصرية القاهرة، وهو أمر يثير الريبة والشك في الموقف القطري المنزعج بكل تأكيد من سحب بساط المصالحة من تحت قدميه.
في المحصلة، ثمة أجندات سياسية مشتركة بين تل أبيب والدوحة، تسعى الأخيرة بموجبها لبناء وتعزيز «الثقة» بين حماس ودولة الاحتلال، لإنجاح ملف الهدنة، تمهيداً للدخول في التفاصيل الدقيقة للاتفاق، الذي ترفضه القيادة الفلسطينية جملة وتفصيلاً.
