في الوقت الذي تستمر فيه حال المراوحة على ضفّة تشكيل الحكومة، رغم حركة الاتصالات واللقاءات في العلن أو في السرّ التي تجري بهدف تذليل العُقَد القائمة، لم ينسحب بطء التأليف أبداً على وتيرة الضغط الأميركي على «حزب الله» تحديداً وعلى إيران في شكل عام.

فما كان قبل أسابيع مطروحاً في إطار التوقعات والانتظار لرزمة العقوبات الجديدة المرتقبة ضدّ الحزب، في إطار سياسة التشدّد التي تنتهجها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إزاء الحزب وطهران، بدأ يسلك طريقه نحو التنفيذ، بعد انتهاء العطل الصيفية في واشنطن وعودة الكونغرس إلى ممارسة عمله.

وبالأمس القريب، صوّت مجلس النواب الأميركي، بالإجماع، على مشروع قانون، هو نتاج أشهر من العمل المشترك بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي في مجلسَي النواب والشيوخ، يدعو لفرض عقوبات جديدة على «حزب الله».

وجاء فيه أن العقوبات الجديدة تهدف إلى الحدّ من قدرة الحزب على جمع الأموال وتجنيد عناصر له، إضافة إلى زيادة الضغط على المصارف التي تتعامل معه، وعلى البلدان التي تدعمه، وعلى رأسها إيران.

مشروع

إلى ذلك، يفرض المشروع لأوّل مرة عقوبات على داعمي «بيت المال» المعنية بتنفيذ أعمال بناء، فضلاً عن مؤسّسات الحزب الإعلامية، مما يهدّد المعلنين الذين يبثون إعلانات لهم في تلك القنوات. علماً بأن العقوبات ضدّ «حزب الله» باتت أوسع من مؤسّساته العسكرية، وباتت تطال الشريحة الاجتماعية التي تتعاون معه، مما يساهم في تضييق الخناق عليه أكثر.

وهكذا، فإن العقوبات الجديدة ستطاول فئة المموّلين بشكل أساسي، بمعنى استهداف تجفيف الأموال لمصلحة الحزب في نشاطاته كافّة، حيث إن مشروع القانون يحظر، عملياً، التمويل الطوعي للحزب ومؤسّساته، ويضع من يدفعه تحت طائلة العقوبة.

تحت المجهر

والموقف الأميركي ليس جديداً إزاء إيران ولا «حزب الله». فالعقوبات المزدوجة على الجانبين خير دليل، والآتي أعظم على الأرجح خلال الشهرين المقبلين، من خلال دفعة جديدة من العقوبات يُتوقّع أن تصدر في حقّ الحزب، وفق المسرّب من معلومات، فيما تترقّب إيران «نصيبها» من الجديد الأميركي قريباً. بيد أن الجديد يكمن في موقف واشنطن المندّد بالاتفاق الأوروبي للالتفاف على العقوبات.

وهذه الآلية موضوعة تحت المجهر الأميركي لعدم تمدّدها إلى دول أخرى، من بينها لبنان.

وقد شكّلت نقطة رئيسية في محادثات مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) كريستوفر راي مع كبار المسؤولين اللبنانيين، خلال شهر سبتمبر الفائت، إذ حذّر بطريقة غير مباشرة من محاولة التفاف لبنان على العقوبات التي ستُفرض على «حزب الله» الذي يضغط في هذا الاتجاه ويهادن جميع القوى السياسية في الداخل من أجل نيل مكسبه.

بدا واضحاً من المقاربات السياسية أن الخشية لا تكمن فقط بالعقوبات المعلَنة، بل بما قد يحمله هذا المسلسل الذي يبدو أنه سيستمرّ، وفق إجماع مصادر متعدّدة، أشارت إلى الاستراتيجية الجديدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران، التي بات تمدّد نفوذها في الشرق الأوسط، على مدى سنوات، مزعجاً للبيت الأبيض.

وبالتالي، فإن الرئيس الأميركي، بالتناغم مع مشاريع قوانين يصوّت عليها الكونغرس الأميركي، يُركّز في المدى المتوسط على محاربة هذا التمدّد. مع الإشارة إلى أن أولى تجلّيات هذه الاستراتيجية ظهرت عبر تضييق الخناق على «حزب الله»، المصنّف إرهابياً، والموصوف أميركياً بـ«أداة إيران» في المنطقة.

وبحسب ما يتردّد، تسعى الإدارة الأميركية حالياً إلى إقناع الدول، وفي مقدّمها دول الاتحاد الأوروبي، إلى إعلان «حزب الله» منظمة إرهابية، وعدم الفصل بين جناحه العسكري وجناحه السياسي.

محاولة

تدرِج المصادر دعوات «حزب الله» لتشكيل الحكومة سريعاً، وفي فترة زمنية لا تتجاوز الخامس من شهر نوفمبر المقبل، موعد العقوبات الأميركية الجديدة ضدّه، والتي وصِفت بـ«القاسية» عليه، في خانة محاولة التلطّي بغطاء الشرعية من خلال وجوده في الحكومة، بحيث يصبح التعاطي مع دفعة العقوبات القاسية المرتقبة، من المنبر الدستوري، أكثر سهولة من تواجده خارجه.