تكشف التحركات الأخيرة التي تقوم بها السلطات الإثيوبية عن توجّه لـ«تصفير المشكلات» الخارجية، في خطٍ متوازٍ مع مساعي الإصلاحات الداخلية، سواء السياسية من خلال عمليات الإحلال والتجديد القائمة في ضوء التطورات التي تشهدها أديس أبابا تحت قيادة الائتلاف الحاكم، أو الاقتصادية والتنموية، وهي التحركات التي تطرح الكثير من التساؤلات على صعيد موقف السلطات الإثيوبية من عديد الملفات، بخاصة ملف سد النهضة الذي يواجه مشكلات تقنية أدت لتعثّر العمل فيه وتوقّفه مؤقتاً.
من بين التساؤلات المثارة حول المسارين المتوازيين اللذين تسير عليهما السلطات الإثيوبية من حيث محاولة رأب الصدع مع دول خارجية، كما حدث مع إريتريا والصومال وجيبوتي، وكذا التطمينات التي ساقتها للقاهرة وغير ذلك، ومحاولات الإصلاح والتغيير الداخلية. وهنا يبرز السؤال: هل مشروع سد النهضة يقوّض الإصلاحات الإثيوبية الداخلية والخارجية في ظل الصراع على المياه مع دول الجوار، خاصة دولتي المصبّ (مصر والسودان)؟
الثابت أن إثيوبيا قطعت نصف شوط إنشاء السد الذي تعتبره رافداً رئيسياً ومُهماً للتنمية والاستقرار في البلاد، ضمن خطتها الاستراتيجية الرامية إلى التخلص من أحد أكبر التهديدات التي تواجهها والمرتبطة بتزايد نسب الفقر.
مساران
عند الحديث عن مدى حضور «سد النهضة» على أجندة أولويات السلطات الإثيوبية بقيادة آبي أحمد، في ضوء الإصلاحات الداخلية التي يسعى إليها الائتلاف الحاكم، فإنه «من الضروري الفصل بين مسارين: الأول تنموي يضم سد النهضة، والثاني يشمل الإصلاحات السياسية»، حسب مدير تحرير دورية آفاق أفريقية، الخبير بالشأن الأفريقي د. رمضان قرني الذي يؤكد لـ«البيان» أن مسار سد النهضة هو مسار تنموي اقتصادي، إذ تتعامل الدولة الإثيوبية كلها مع السد باعتباره مشروعاً قومياً مهماً، وتربط بينه وبين عملية التنمية في إثيوبيا بشكل عام، لاسيما أن الاستراتيجية التي أعلنت عنها إثيوبيا قبل سنوات، تنبهت إلى أن الفقر هو المهدد الأكبر للدولة، وعليه بدأت تتبع حلولاً وخيارات مُتاحة وعلى رأسها جذب الاستثمارات الأجنبية».
وعليه سعت إثيوبيا في طريق التنمية من أجل القضاء على ذلك التهديد، واتبعت مسارات تنموية يشكل فيها السد مشروعاً قومياً، بينما ظهرت مشكلات في ذلك الصدد من بينها «التمويل»، حيث أنفقت إثيوبيا ما يوازي نصف ميزانيتها على المشروع.
تصفير المشاكل
وفيما يتعلق بسد النهضة على وجه التحديد يعتقد بأن «التطورات الجديدة والمشاكل الفنيّة التي كشف عنها آبي أحمد نفسه، قد تدفع إلى الاستجابة للمطالب المصرية.. الموقف الآن يخدم المفاوض المصري بصورة كبيرة، وبالتالي نحن أمام مرحلة جديدة، يمكن من خلالها الاستجابة للمطالب المصرية الخاصة بزيادة فترة ملء السد والدراسات الفنية الموسّعة.. وبالتالي اتخاذ حلول متوازنة تخدم الأطراف الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا)». ويشدد في السياق ذاته على أن الجبهة الحاكمة في إثيوبيا تقدم مشروع سد النهضة باعتباره سيأخذ إثيوبيا إلى المستقبل القريب.
وبالنظر إلى الساحة الداخلية في إثيوبيا فإنه وعلى رغم فكرة الجبهة القومية الحاكمة التي ينص عليها الدستور هناك، فإنها تشهد حالة عدم توازن، وذلك بوجود فئات مهمّشة، فيما كانت التجربة السياسية قد انحصرت في «التجراي» على رغم ما تمثله «الأورمو» من نسبة كبيرة، وبالتالي مع تغير الأوضاع وتولي آبي أحمد، فإنه يسعى للقيام بإصلاحات داخلية واسعة.
إجراءات
ووفق مراقبين، فلن تنفصل الإجراءات الإصلاحية التي انتهجتها حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على المستويين الداخلي والخارجي عن المشروعات الكبرى التي تنفذها إثيوبيا، وأبرز تلك المشروعات سد النهضة على النيل الأزرق، ما يجعل قضية السد واحدة من المحاور في عملية الإصلاح.
وحول تأثيرات الاستمرار في عملية بناء السد في خطٍ متوازٍ مع استكمال الإصلاحات الداخلية والخارجية، يقول مدير مركز الخرطوم الدولي لحقوق الإنسان خبير المياه د. أحمد المفتي، إنه كل ما تقوى علاقات الدولة الخارجية ينعكس ذلك إيجاباً على الأوضاع الداخلية مثلما ينعكس السلام الداخلي المُستدام على العلاقات الخارجية، ويشير إلى أن الإصلاحات التي انتهجتها الحكومة الإثيوبية مؤخراً لها مردودها الداخلي والخارجي، ولكن إنزال تلك الإصلاحات على الواقع يتوقف على قدرة آبي أحمد على التعامل مع الصراعات الداخلية.
ويوضح المفتي لـ«البيان» أن من ضمن تلك الأخطاء عدم اختيار المدخل الصحيح لها، خاصة بالنسبة لدولتي المصبّ السودان ومصر، ذلك أن إثيوبيا شرعت قبل عام 2011 في إجراء دراسات السد منفردة وبدأت عمليات التنفيذ ومن ثم أشركت الدولتين، وكان يفترض على الإدارة الإثيوبية حينها أن تشركهما منذ انطلاق الدراسات.
نهج إحلال وتجديد.. وورشة بناء متكاملة
يحتّم ترابط القضايا الإثيوبية الداخلية والخارجية بعضها مع بعض على إدارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد العمل في إجراءات الإصلاح ككتلة واحدة، حسبما يؤكد المحلل السياسي السوداني المختص بقضايا القرن الإفريقي عبد الله رزق، الذي يرى أن ما يجري الآن في إثيوبيا يمثل واحداً من أهم الأحداث في إفريقيا، وليس في القرن الإفريقي وحده، إذ يصل إلى السلطة زعيم يتميز بسعة الأفق وبالرؤية الواضحة والنهج الوفاقي والشجاعة في اتخاذ القرارات، في بلد مثل إثيوبيا يشكّل قلباً لإفريقيا، ومحوراً ومركزاً لمنظمة الوحدة الإفريقية، وبات الآن مقر الاتحاد الإفريقي.
ويضيف عبدالله رزق لـ«البيان» أن آبي أحمد أمامه أن يمثل قيادة بمستوى إثيوبيا ودورها وحضورها في القرن الإفريقي وإفريقيا عموماً، باعتباره وصل سدة الحكم في ظروف دقيقة تشهد فيها البلاد مشكلات داخلية وخارجية، ويصعب عزلها عن بعضها، بمعنى أن الأوضاع الداخلية والمصالح الداخلية وتحقيق الاستقرار والوئام الداخلي تقتضي مصالحات خارجية، لأن عدداً كبيراً من العناصر والحركات التي تشارك في الصراعات العنيفة في داخل إثيوبيا من صراعات قومية وسياسية وإثنية وغيرها كان لها وجود في البلدان المجاورة لإثيوبيا.
المصالحة الداخلية التي بدأ بها آبي أحمد بالإعلان عن عفو عام عن الحركات الحاملة للسلاح ضد السلطة المركزية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين مرتبطة بالمصالحات مع البلدان المجاورة، والتي بعضها كان يستضيف هذه المعارضات المسلّحة، إلى جانب حالة العداء والعلاقات السلبية مع بعض دول الجوار، وصراعات المصالح كما يحدث فيما يتعلق بالموقف من سد النهضة، أو فيما يتعلق بنزاعات قديمة مع إرتيريا أو مع الصومال أو حتى جيبوتي، وجنوباً مع كينيا حول قضية بناء السدود والوضع الأمني في المنطقة، ويشير إلى أنه لكل تلك الاعتبارات أصبحت الآن القضايا الخارجية امتداد للقضايا الداخلية وبالعكس.
بيئة مواتية
ويؤكد رزق أن استكمال بناء سد النهضة يتطلب بيئة إقليمية وداخلية مواتية وحالة من الاستقرار والوئام الداخلي، ما يتطلب استكمال الوفاق الخارجي من خلال استمرار الحوار مع البلدان المعنية ببناء السد، ومصر والسودان على وجه التحديد، وكذلك فيما يتعلق بالعلاقة مع إريتريا وكذلك الصومال في النزاع القديم المتجدد حول «الأوغدين»، ويتابع: «قضايا السلام والاستقرار لا تتجزأ، ومن الصعب بناء استقرار داخلي في إثيوبيا ما لم يكن محمياً باستقرار في العلاقات الخارجية، تلك مهمة ليست سهلة، وترتبط بصراع وقوى وأطراف خارجية لديها مصالح في استمرار تلك النزاعات».
ويمضي عبد الله رزق إلى أن الإصلاحات التي يقودها آبي أحمد ستصطدم بكثير من العقبات، وقد تخفق جزئياً أو كلياً، وكذلك ما يتعلق بسد النهضة وبنائه، ويشير إلى أن سد النهضة منذ أن كان فكرة واجهته معارضة كبيرة، خاصة من مصر والسودان، لذلك إثيوبيا في حاجة إلى الاستمرار في الحوار مع المصريين بشكل خاص، ومع الجانب السوداني الذي يدعم بشكل آخر وجهة النظر المصرية من أجل مخاوف المصريين، وتأمين مصلحتهم فيما يتعلق بالإمداد المائي من نهر النيل الأزرق، وهذه تمثل مسألة مهمة للاستمرار في بناء السد.
مشروع قومي
وتعتقد الخبيرة بالشؤون الإفريقية هبة البشبيشي بأن السلطات الإثيوبية الحالية بقيادة آبي أحمد ستواصل الاهتمام بملف «سد النهضة»، على أساس أنه يتم تقديمه كمشروع قومي كبير لإثيوبيا، وباعتباره المشروع الذي يوحّد جميع القبائل ويلفّ الإثيوبيين حوله، ومن ثمّ لا يمكن أن يقوّض ذلك المشروع الإصلاحات الداخلية التي تحاول السلطات الحالية تنفيذها على الأرض.
وتعتبر أن الإصلاحات الداخلية تتركز في المقام الأول على مسألة صراع القبائل، في ظل عملية إحلال وتجديد، مع تراجع التجراي (إقليم تجراي يقع شمالي إثيوبيا، ويحده من الشمال إريتريا، ومن الغرب السودان، ومن الشرق عفر، ومن جنوبها إقليم أمهرة).
1800
يعد سد النهضة الإثيوبي أو سد الألفية الكبير أحد أكبر الصروح على نهر النيل بمساحة تبلغ 1800 كيلومتر مربع، وبارتفاع 174 متراً، وطاقة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب من مياه الشرب. السد الذي يقع على الحدود السودانية شمال غربي العاصمة أديس أبابا بنحو 900 كيلومتر، ويُعد أكبر سد للطاقة الكهرومائية في أفريقيا تكلف نحو 4.7 مليارات دولار، وموّلته جهات إقليمية ودولية.
2011
في مايو 2011، أعلنت إثيوبيا أنها ستتقاسم مخططات السد مع مصر لدراسة مدى تأثيره على دولتي المصبّ، وفي الفترة من أغسطس حتى نوفمبر من العام نفسه تم تنظيم زيارات متبادلة لرئيسي الوزراء في حينه الإثيوبي ميلس زيناوي والدكتور عصام شرف، والاتفاق على تشكيل لجنة دولية تدرس آثار السد.
وفي مايو 2012 بدأ عمل لجنة دولية تضم 4 خبراء دوليين إلى جانب الخبراء الوطنيين من الدول الثلاث، لتقييم الآثار المترتبة على بناء السد.
2014
في يونيو 2014 عقدت قمة بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي، في مالابو على هامش أعمال القمة الأفريقية، وتم الاتفاق على استئناف المفاوضات حول سد النهضة وتوقيع وثيقة بين البلدين.
وفي أغسطس 2014 تم استئناف المفاوضات وتشكيل لجنة من 12 خبيراً من مصر والسودان وإثيوبيا، لبحث آلية القيام بالدراسات الفنية للسد. ومن سبتمبر 2014 حتى يناير 2015 دارت اجتماعات ومشاورات بين الدول الثلاث حول اختيار المكاتب الاستشارية المعنية بدراسة تأثيرات السد.
2015
في مارس 2015 وقع رؤساء الدول الثلاث «مصر وإثيوبيا والسودان» على إعلان المبادئ في الخرطوم. وفي أبريل 2015 عقد وزراء المياه اجتماعاً في أديس أبابا، وانتهى باختيار المكتب الفرنسي «بي آر إل» لإعداد الدراسات الفنية لسد النهضة، بمساعدة المكتب الهولندي «دلتارس»، لكن في شهر سبتمبر أعلن المكتب الهولندي انسحابه من إجراء الدراسات الفنية لسد النهضة الإثيوبي مع المكتب الفرنسي لأسباب تتعلق بعدم دقة وحيادية الدراسات.


