لا حديث في العراق حالياً سوى تشكيل «حكومة إصلاح وبناء»، جديدة، قوامها التكنوقراط، في وقت لا تزال المحاصصة الطائفية تتحكم في المشهد السياسي، على الرغم من تشخيصها عاملاً أساسياً في تدهور الأوضاع، واستشراء الفساد والإرهاب والفقر.

ويرى مراقبون أن الحديث عن الانحدار، ليس وليد سنوات ما بعد الغزو فقط، بل كانت بداياته مع ظروف الحصار الذي دام 13 عاماً، وما أعقبه من سنوات فوضى وإفرازاتها التي تراكمت، والتي تصعب على أية حكومة قادمة مهما كانت نزاهتها ووطنيتها معالجته، لكن قد تستطيع تحقيق تقدم نسبي.

وأضاف المراقبون: «هذا ما كان مطروحاً في الدعاية للانتخابات التي جرت في مايو الماضي، والتي ألقى النظام الإيراني كل ثقله فيها، لإبقاء نفوذه، من خلال اللعبة الطائفية المقيتة، وهذا ما نتج عنه برلمان تحاول فيه القوى المدعومة من إيران لعب دورها بإبقاء الوضع على ما هو عليه، قدر الإمكان».

دور تخريبي

وأوضح المحلل السياسي ساهر عبد الله، أن حكومة العبادي بذلت جهوداً في محاولات جادة للإصلاح، سرعان ما تم الالتفاف عليها، بوضع شروط مناقضة لتوجهات الشارع العراقي من قبل الكتل «السياسية»، فضلاً عن كون الكادر التنفيذي كان من مخلفات حكومة المالكي التي أسست «الحكومة العميقة» المعتمدة على الميليشيا الموالية لإيران، التي كانت الند السلبي ضد التوجهات الرسمية. ولفت عبد الله، إلى أن حكومة العبادي حاولت الاستجابة للمطالب الشعبية وحققت بعض النجاح، إلّا أنّها لم تتمكن من مواجهة التيار الإيراني المتنفذ.

وعلى الرغم من المد الجماهيري المتصاعد، والمطالبة باستبعاد الأحزاب الدينية الطائفية، ارتدى الذئب الإيراني ثوب الحمل، عبر طرح مفاهيم تستهدف إعادة الاصطفاف الطائفي، من خلال استبعاد الشخصيات المهنية المرموقة عن تولي مهام الحكم، والعودة إلى أسلوب المحاصصة.

بدوره، كشف القيادي في تحالف سائرون، رائد فهمي، عن الشروط التي وضعها المرشّح لرئاسة الحكومة عادل عبد المهدي، للموافقة على ترشيحه، وتتضمن منحه الحرية في اختيار أعضاء حكومته، عبر اختياره مرشحاً واحداً لأية وزارة من بين عدد من المرشحين الذين تقدمهم الكتل السياسية أو رفضهم جميعاً، فضلاً عن مطالبته بإعطائه الحرية في إدارة الحكومة وتحديد برنامج عملها، وترتيب العلاقة مع الأطراف السياسية وفق ما يراه، بعيداً عن التدخلات الحزبية في عمله، مبيناً أن عبد المهدي وضع تلك الشروط لإنجاح وتقوية العمل الحكومي.

ولعل المهم اختيار الطاقم الحكومي من المرشحين الذين تقدمهم الأحزاب، وليس ترك الخيار لرئيس الوزراء، الأمر الذي يناقض طرح عبد المهدي بأن البديل الناجح ليس الحزبي الجديد أو المستقل والتكنوقراط المستظل بالضرورة بحزب وقوة سياسية، بل هو القادر على فهم متطلبات المجتمع والدولة، وتلبية شروط نجاحهما.

تحكم كتل

إلى ذلك، يشير المحلل السياسي، علي حسين عبيد، إلى أنّ الحكومة المقبلة ستواجه إرثاً معقّداً خلفته الحكومات السابقة، وستكون في شرنقة المشكلات السابقة والراهنة والقادمة، لافتاً إلى أن أولى خطوات إخراج البلاد من عنق الزجاجة هو مكافحة الفساد الذي يعد أخطر وأكبر خطراً من الإرهاب، على حد قوله.

ويتفق محلّلون آخرون مع ما ذهب إليه عبيد، مشيرين إلى أن القضاء على الفساد في العراق سيقضي على جميع المشكلات المعقدة الأخرى، مشددين على ضرورة أن تكون خطوات الحكومة المقبلة لإنجاز هذا الهدف، مبتكرة ومستفيدة من الخبرات الدولية، ومن أهمها أن تخضع الرؤوس الكبيرة لسلطة القانون، وأن تتخلى الكتل الكبيرة والأحزاب عمن ينتمي لها بعد أن تثبت إدانته بالفساد.

وهو الأمر الذي يتطلب وجود رئيس وزراء قوي مدعوم من الداخل والخارج على حد سواء، فضلاً عن ضرورة تطوير البنية القيمية للمجتمع ونظرته للفساد. ووفق المحللين، فإنّ من الضروري الشروع بمنهج حكومي جديد يختلف كلياً، وحال أمكن استخدام هذا المنهج، فإن مهمة إخراج العراق من عنق الزجاجة سيكون ممكناً.