من الصعب، بعد الاتفاق الروسي التركي حول مدينة إدلب الأسبوع الماضي أن تقوم روسيا بالتفكير في عملية عسكرية في المدى المنظور، ذلك أن حبر الاتفاق مع تركيا لم يجف بعد، بينما الدول الأوروبية والأمم المتحدة أثنت على الاتفاق الذي جنّب إدلب كارثة إنسانية.
لكن على ما يبدو فإن الأمور لن تذهب في الاتجاه السليم، خصوصاً بعد إعلان ما تسمى حركة «حراس الدين» رفضها الاتفاق بينما تحدد هيئة تحرير الشام (جبهة النصر) موقفها من الاتفاق خلال أيام، إذ قال مسؤول إعلامي في «النصرة» إنه «سيَصدُر بيان رسمي قريباً» بعد إجراء الجماعة مشاورات داخلية بشأن الاتفاق. وأوضح أن «قريباً» تعني خلال أيام قليلة.
ظهرت حركة حراس الدين العام الماضي بعد خلافات داخلية في جبهة النصرة، وكان الهدف من هذه الحركة تصويب مسار جبهة النصرة في مدينة إدلب، لكن في المضمون لا فرق بين الحركة وبين جبهة النصرة اللتين تؤمنان بـ«الإرهاب»، فكلاهما من رحم التشدد القاعدي على وجه التحديد.
وقد قرأ البعض في إعلان حراس الدين رفضها الاتفاق الروسي التركي انعكاساً لموقف هيئة تحرير الشام، إلا أن النصرة التي تسيطر على هيئة تحرير الشام فضلت الصمت لبعض الوقت في ظل حالة الرفض الشعبي لوجودها، وفي ظل الغليان الذي كان حينها حول نية النظام وروسيا الهجوم على إدلب.
ومع المضي الروسي التركي قدماً في تنفيذ الاتفاق في 15 أكتوبر المقبل، فإن بورصة التباينات والصراعات داخل مدينة إدلب ستظهر بشكل جلي بين الأطراف الثلاثة (النصرة ـ حراس الدين ـ الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا)، خصوصاً أن الاتفاق سيسحب من جبهة النصرة ورقة تهديد قاعدة حميميم الروسية وبالتالي يمثل ذلك، انتزاع الرصاص من المسدس.
بطبيعة الحال لن تقبل النصرة أن تكون صفراً على الشمال في معادلة إدلب، وفي ذات الوقت بات الاتفاق الروسي التركي على الأبواب، بينما تسرّب قيادات معارضة سورية أن ثمة عملاً استخباراتياً تركياً لتفكيك جبهة النصرة من الداخل، ربما من الممكن فعلاً تفكيك الجبهة وتحييد العناصر السورية، لكن المهمة الأصعب هي مصير أكثر من 7000 مهاجر، وفي ذات الوقت هؤلاء هم المعضلة الأساسية في موضوع إدلب.
في هذه الحالة، نحن أمام سيناريو مخيف جداً في إدلب، وهو الاقتتال الداخلي الذي عوّل عليه الروس في وقت سابق، لكن هذا الاقتتال سيرتد على الجانب التركي ويُدخل المدينة في حرب أهلية على مساحة جغرافية ضيقة، ما لم تكن هناك هندسة تركية لمآلات الصراع.
ولا ننسى الدور الخفي لاستخبارات النظام السوري في إدلب، إذ يرى معارضون أن المدينة باتت مخترقة من النظام السوري أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً بعد انتقال المئات من الفصائل إلى المدينة من الغوطة وحلب وغيرهما.
التعقيدات في إدلب بالغة الصعوبة، ومن هنا يمكن قراءة قبول روسيا باتفاق مبدئي يوفّر عليها تكاليف عسكرية ومواجهة دولية. وفي منتصف الشهر المقبل سيفتح الصندوق الأسود، وستكون كل القوى على المحك خصوصاً «النصرة» و«حراس الدين»، بينما الفصائل أمامها منعطف خطير هو الحفاظ على نفسها كـ«قوى معتدلة» أو الميل لجبهة النصرة التي ستدشن مرحلة المواجهة.