لم يكن الأمر وليد اللحظة أو مجرد خطاب أعلنت عنه بعض وسائل الإعلام عن نية القيادي في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، إلقاء خطاب خلال مؤتمر يعقد في إيران ضم بعض الدول التي تسمي نفسها «محور المقاومة» تحت مسمى «المقاومة ليست إرهاباً» ضمن مهرجان «البارود الرطب»، الذي نظم بين غزة وطهران تضامناً مع الفصائل الفلسطينية، لكنَّ للقصة أبعاداً أقدم وأكثر تجلياً بدأ النقاب ينكشف عنها رويداً رويداً حتى الوقت الذي بات فيه المواطن في غزة، الذي لطالما أدرك صنوفاً من الاستهلاك السياسي، يدرك أن أي دعم مالي وسياسي وعسكري تقدمه إيران لغزة بالذات لها فيه مآرب أخرى.

فمنذ اعتلاء الخميني السلطة في إيران عام 1979 وإيران تعلن أن فلسطين هي القضية المركزية للثورة الإيرانية، وكأنها قميص عثمان الذي به يتاجرون، حيث لم تتضح بعد سمات اللعبة يوم أن زار الزعيم الراحل ياسر عرفات إيران، وكانت هي الزيارة الأولى آنذاك، معلناً أن انتصار إيران الخميني وهزيمة الشاه هو انتصار لفلسطين، إلا أن هذه الخديعة الإيرانية لم تستمر طويلاً، إذ رأت إيران أن على فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية الخضوع للأوامر الإيرانية، فدبّ الخلاف فيما بينهما سريعاً، واتضحت نية إيران تجاه القضية، لكنها لم تتوقف عند هذا الحد، بل سارعت إلى إيجاد موطئ قدم لها في فلسطين عبر التعامل مع حركات المقاومةن فبدأت إيران بمضايقة منظمة التحرير عبر دعم التنظيمات المنشقة عنها كالتنظيمات التي كان مقرها دمشق وأطلق عليها اسم «التنظيمات العشرة».

وحاولت تشكيل منظمة تحرير موازية بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق ذلك، فما كان منها إلا أن تدعم بالمال والسلاح الانقلاب العسكري الذي نفذته حماس في غزة رغم أن هذا المشروع يمثل مشروعاً إسرائيلياً يأتي في سياق مواجهة مشروع وبرنامج منظمة التحرير اتسقت فيه الأهداف الإيرانية مع الرغبات الإسرائيلية.

أهداف دنيئة

وفي هذا الشأن وحول الجعجعة التي طالما تثيرها إيران وحلفاؤها حول مركزية القضية الفلسطينية، يقول الباحث الفلسطيني في الدراسات الشرق أوسطية والسياسية أحمد وادي: «لو افترضنا جدلاً أن دعم إيران للقضية الفلسطينية يراد به وجه الله لدعمتها من خلال السلطة الشرعية ممثلة بالقيادة الفلسطينية لا من وراء جدار كما فعلت يوم دعمها الانقلاب الحمساوي بكل القوى المادية والعسكرية، فكانت النتيجة انفصال غزة، الأمر الذي نجحت إيران بتحقيقه، ومع هذا الإحراز الدنيء فإنها في المقابل لم تحرز خطب قادتها ولا حلفائها تحرير أي شبر من أرض فلسطين، بل أحرزت انقساماً مأساوياً شجع أطرافاً عديدة على حصار غزة التي ذاق شعبها ويلات الجوع والفقر».

ويضيف وادي: «ومن هنا فإنني أود القول من المفترض أن ترفع إيران يدها عن الوضع الفلسطيني مهما كانت مبرراتها، فشعبنا هو الذي علم العالم معنى الوطنية».

اختراق المنطقة شعارات وخطب تطرح إيران من خلالها القضية الفلسطينية إعلامياً لا واقعاً على الأرض ولا بسياسة تحكمها المبادئ، وفي هذا الشأن تحدث القيادي في حركة فتح ضياء جبر لـ «البيان» قائلاً إن «إيران خلال تقديمها مساعدتها المالية لبعض الفصائل إنما هي بذلك تسخر موضوع هذا الدعم لأغراض اختراق المنطقة، سواء بترتيب البيت الشيعي لها كما في العراق، أو لضمان الانحياز الجغرافي لها كما مع سوريا للوصول إلى خط التواصل مع لبنان حيث حزب الله، والحوثي في اليمن، ومن هذا المنطلق تسعى من خلال أسلوب ممنهج لترتيب المنطقة كما يحلو لها.