ما من قضية وجدت اهتمام الناس وشغلت الرأي العام السوداني طيلة الأشهر القليلة الماضية أكثر من قضية الفساد الذي أنهك الاقتصاد مع عوامل أخرى، وتدحرج العملة المحلية إلى هاوية الانهيار اليومي، ولم تعد أخبار ارتفاع الأسعار وموجات الغلاء المتلاحقة خبراً لتورده صحف الخرطوم.

فالدولة وفي أعلى مستوياتها، أعلنت الحرب على الفساد منذ أشهر، والرئيس عمر البشير أعلن الحرب على من أسماهم بـ«القطط السمان»، من خلال اتخاذ جملة من الإجراءات الأمنية والقضائية بإلقاء القبض على بعض الرؤوس بالجهاز المصرفي ورجال الأعمال، وبعض ضباط الأمن، وجميعهم محسوبون على جماعة الإخوان الذين أتت بهم سياسة التمكين التي انتهجتها الحكومة في بداية عهدها.

ويرى القيادي بحزب المؤتمر الوطني الحاكم ورئيس لجنة التشريع والعدل بالبرلمان السوداني السابق الفاضل حاج سليمان في حديث لـ«البيان» أن أبرز ما فاقم من السفاد في السودان سياسة التمكين التي اتبعتها الحكومة الحالية حيث انها استعانت بأهل الولاء دون مراعاة لكفاءتهم ومؤهلاتهم، ولم يراع في ذلك وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. ويشير سليمان إلى أن السلطات قفزت للإجراءات العقابية التي كان يفترض أن تستبقها اجراءات تربوية وإدارية لضبط الأموال العامة، من خلال القوانين الادارية الصارمة والسياسات العامة التي تضعها الدولة لضبط المال العام.

ويبدو أن الرئيس البشير أراد من إعادة تعيين الفريق صلاح قوش مديراً لجهاز الأمن والمخابرات مساندته في حربه المعلنة على الفساد، إذ عرف عن الرجل قوة سطوته بجانب إلمامه بدهاليز السوق والاقتصاد، وما يعضد ذلك ما ذهب به مصدر أمني سوداني رفيع لـ«البيان» بأن هناك تفويضاً كاملاً لجهاز الأمن بمتابعة وضبط كل من يشتبه في ارتكابه تجاوزات تتعلق بالمال العام واستغلال النفوذ مهما كان منصبه ونفوذه. وشدد المصدر على أن هناك فِرقاً من جهاز الأمن تقوم بعمليات مكثفة لجمع المعلومات حول الفساد ولن تستثني أي شخص تلاعب بالاقتصاد الوطني من خلال استغلال منصبه.

ويؤكد رئيس منظمة الشفافية السودانية الطيب مختار أن أي حديث من قبل القيادة السياسية العليا حول مكافحة الفساد يعتبر خطوة للأمام، غير أنه يرى أن مكافحة الفساد لا يتم إلا باكتمال منظومة مكافحته، مؤسسيا وتنفيذيا ورقابيا وإجرائيا، وذلك بغرض إغلاق الثغرات التي ينفذ عبرها الفساد، ومن ثم كشف القناع وتجفيف منابعه، وذلك باتباع عدد من الإجراءات المتمثلة في سن ومراجعة بعض التشريعات.