لم تدخر مصر جهداً في ردم هوّة الانقسام الفلسطيني، الذي شطر الوطن نصفين الضفة الغربية وقطاع غزة. ترى مصر باعتبارها الحاضن الأبرز لحيثيات القضية الفلسطينية وملف المصالحة، أن المظلة التي يمكن أن تظلّل أي اتفاق فلسطيني، هي منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ما يجعل من المصالحة التي تسعى إليها مصر، مصالحة تهدف لعودة الشرعية الفلسطينية إلى القطاع، وبهذا تسلك القاهرة دوراً ينسجم مع التطلعات الوطنية والقومية للأمة، بعد موافقة حركتي فتح وحماس مبدئياً على الورقة المصرية والمحادثات الجارية حالياً في مصر. ووفق مسؤول ملف الصالحة الفلسطينية والقيادي بالحركة عزام الأحمد، فإن موقف حركة فتح إزاء هذه الورقة إيجابي أيضاً، موضحاً أنه لا حوار في المرحلة الحالية مع حماس إلا من خلال مصر.
وتدير مصر جلسات المحادثات المتعلقة بملف المصالحة بأسلوب جديد وفريق جديد يتم متابعته من خلال الرئيس عبدالفتاح السيسي، إذ ربما هذه هي المرة الأولى التي خلت فيها محادثات المصالحة من التراشق الإعلامي ما بين الفصيلين، الأمر الذي من شأنه أن يودِع بارقة من الأمل في نفوس الفلسطينيين حول إمكانية تحويل المصالحة هذه المرة إلى أمر واقع يلمسه سكان غزة بالذات في مختلف مناحي حياتهم الاجتماعية والاقتصادية.
وبشأن دور مصر الاستراتيجي، يقول أمين سر حركة فتح في شمال غزة القيادي، حاتم أبوالحصين لـ«البيان»: «كانت مصر ولا زالت هي المرجع الأول لملف المصالحة، ولها في هذا المقام ما هو مشرّف لنا ولها ولكن ما يجب قوله صراحة إن مصر تدرك جيداً وبوعيها الاستراتيجي خطورة التمرد الذي حصل في غزة وأدى للانقسام، فمصر لا تأتي راعية للمصالحة من فراغ منهجي عابث، بل من إيمانها بأن الانقلاب جاء انقلاباً على الشرعية، وعلى نظرة مصر الاستراتيجية تجاه غزة». ويضيف: «أشك شخصياً ولا أعول كثيراً على ما تناولته وسائل الإعلام من نص الورقة المصرية أو ما يسمى الوثيقة المتعلقة بالمصالحة، فهي في حقيقتها مطالب حمساوية بحتة أعلنت حماس موافقتها عليها حتى تبقى الكرة في ملعب السلطة، في حين أن الرد الرسمي على الورقة لم يتم بالشكل الرسمي بعد».
رفض هيمنة
ويمضي أبوالحصين إلى القول: «مصر لن تقبل أي هيمنة جديدة من حماس على قطاع غزة، لما في ذلك من تداعيات خطيرة تباركها أميركا وإسرائيل، أهمها فصل غزة عن الضفة وتوطين مليون فلسطيني في سيناء، وهو ما ترفضه مصر رفضاً قاطعاً، لذا فبلورة جهود المصالحة هذه لن تكون إلا بتمكين السلطة الفلسطينية من السيطرة على غزة كمظلة شرعية شأنها شأن الضفة الغربية، وربما يعقب ذلك انتخابات تسير بعدها الأحداث وفق نتائج صناديق الاقتراع».
دحض رواية
بدوره، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أحمد وادي أن غزة ليست قطعة جغرافية بجانب مصر أو بمحاذاتها، بل عمق استراتيجي لها ولشعبها، مشيراً إلى أن من شأن نجاح المصالحة هذه المرة دحض الرواية الإسرائيلية المتعلقة بعدم نية ورغبة الطرفين في إنهاء الانقسام أو عدم جدية طرف ما في المصالحة، مردفاً: «مع أن الأمور تبدو أقل تعقيداً ما إن توافرت الإرادة والرغبة الحقيقية بالذات عند حركة حماس بعودة الشرعية وتمكين السلطة من ممارسة مهامها على أكمل وجه، وإن فشلت، فهذا لا يعني أن هناك أي تقصير من الجانب المصري، الذي لم ولن يبخل دوماً على دعوة الطرفين مجدداً لطاولة الحوار».