دفعت ردود الفعل الأميركية الغاضبة بدءاً من الإعلام الأميركي إلى تفاعل الطبقة السياسية الأميركية التي واجهت القمة التاريخية بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، في هلنسكي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إرجاء اجتماع آخر أعلن بداية ترتيباته مع نظيره الروسي، تفادياً لمزيد من الانتقادات.

ولعل الانتقاد الأكبر كان من السيناتور الجمهوري جون ماكين، الذي اعتبر أنّ المؤتمر الصحافي بين ترامب وبوتين كان إحدى أسوأ لحظات تاريخ الرئاسة الأميركية، والأداء الأكثر عيباً لرئيس أميركي، وأنّ قمة هلسنكي كانت خطأ مأساوياً.

لم يتوقف الأمر عند ماكين، بل دعا زعيم الجمهوريين في مجلس النواب الأميركي بول راين، ترامب إلى إدراك أنّ روسيا ليست حليفة الولايات المتحدة، ولا يمكن المساواة أخلاقياً بين أميركا وروسيا التي تبقى معادية للمثل والقيم الأميركية.

ولم يغب الإعلام الأميركي عن الركب فقد عبّر وبشكل واضح عن صدمة حقيقية من اللقاء، وأنّ المتوقع كان أن يضع ترامب بوتين في الزاوية من خلال فتح ملف التدخل في الانتخابات الرئاسية، إلا أنّ ترامب تجاوز هذا الملف في إساءة كبيرة للأجهزة الأميركية الاستخباراتية. وصبّ الإعلام الأميركي جام غضبه على ترامب الذي بدا وكأنه لا يمثل الهيبة الأميركية، حتى أن صحيفة «واشنطن بوست» اتهمت ترامب بالتواطؤ مع الرئيس الروسي.

تحقيق

واستغل بوتين هذا الأمر، بالقول إن العلاقات الروسية الأميركية رهينة للتحقيق الذي يجريه مولر، في إشارة تحمل طابع التهديد بهذه العلاقات، لكن السؤال، ما جوهر قوة الرئيس الروسي ولماذا يبدو هو الأقوى؟.

على ما يبدو فإنّ الرئيس الأميركي لا يريد فتح ملف وصوله إلى سدة الحكم، وهو ليس بالضرورة متفقاً مع الرئيس الروسي بقدر ما يتجنب الإحراج، لاسيّما أنّ الهم الأكبر لأي رئيس أميركي في الولاية الأولى هو كيفية حسم الولاية الثانية.

ويرى مراقبون سياسيون أميركيون، أنه لا يمكن محاسبة ترامب على الولاية الأولى، كونها مقدمة لترسيخ فوزه بالولاية الثانية، وبالتالي فإنّ فتح ملف التدخل بالانتخابات الرئاسية سينعكس سلباً على مصالح ترامب.

وليس دقيقاً القول، إن الرئيس الأميركي يخضع للهيمنة الروسية وبالتحديد لشخص الرئيس بوتين، فمن يعرف حجم الاقتصاد الأميركي والتسلح يدرك أنه لا وجه للمقارنة بين الطرفين، فيكفي القول إنّ الاقتصاد الروسي لا يشكل أكثر من 10 بالمئة من نظيره الأميركي، بل إن الولايات المتحدة مازالت حتى الآن تفرض عقوبات على روسيا وعلى مسؤولين كبار مقرّبين من بوتين، ناهيك عن حجم التحالف الأميركي الأوروبي ضد روسيا، كل هذه المعطيات كفيلة بمعرفة الحجم الروسي مقارنة بالهيمنة الأميركية.

رجل مفاجآت

ولعله من غير الممكن التسليم وبهذه السهولة أن الولايات المتحدة تسلم أوراقها لروسيا، وإنّ حدث ذلك بالفعل عبر شخص ترامب، فلا يجب نسيان أنّ الولايات المتحدة دولة مؤسسات قادرة على تصحيح المسار بأسرع وقت.

وتبيّن مسيرة ترامب خلال عامين أنّه رجل مفاجآت من الدرجة الأولى، ومثلما كان البعض ينتظر مفاجأة في الاتجاه المعاكس من لقاء هلسنكي، إلا أنّ مفاجأة ترامب كانت في الطرف الآخر، وهنا لا يمكن القول إن مسار العلاقات الروسية الأميركية تبلورت فقط من خلال لقاء هلسنكي، بل هناك الكثير ما يمكن انتظاره للخروج بالنتيجة بدءاً من سوريا إلى إيران وأوكرانيا وانتهاءً بالعقوبات الاقتصادية.