دخل المجلس النيابي في لبنان، أمس، أسبوع الوداع الأخير قبل انتهاء ولايته في 20 مايو الجاري، وهو أسبوع يُعد فترة تأسيسية للانطلاقة الفعلية للمجلس الجديد اعتباراً من 22 من الجاري، مع انتخاب رئيس جديد للمجلس ونائبه وأعضاء هيئة المكتب، وكذلك انتخاب المطبخ البرلماني المتمثل باللجان النيابية الدائمة.
وتزامناً مع مرور الأسبوع الأول على إجراء الانتخابات النيابية، برزت اتجاهات سياسية داخلية إلى استعجال الدفع نحو إتمام الاستحقاقات الدستورية المقبلة الناشئة عن هذه الانتخابات، وهو استعجال لم تتوقف أسبابه ودلالاته عند البعد الداخلي فحسب، بل شملت الأجواء الإقليمية المتفجرة، التي تشهدها سوريا والمنطقة. ولعل العامل اللافت الذي أظهرته هذه الاتجاهات أنها رسخت المعطيات التي تستبق الاستحقاقات المقبلة، لجهة «تأكيد المؤكد» من حيث نقطتي انطلاق أساسيتين، فرئيس البرلمان نبيه بري سيعود رئيساً لمجلس النواب للمرة السادسة منذ عام 1992 بلا انقطاع، كما أن رئيس الوزراء سعد الحريري سيُسمّى لتشكيل حكومته الثالثة منذ عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، والحكومة الثانية في عهد الرئيس ميشال عون.
وفي غمرة التأزم الإقليمي والسخونة الدولية، على خلفية الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني، رسا الأسبوع الماضي، الذي تلا انتخابات 6 مايو، على مجموعة من المؤشرات، من شأنها أن تفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة سياسية، لا يمكن التبصّر بسماتها، بمعزل عن المتغيرات الإقليمية والدولية التي أطاحت «الستاتيكو» القائم. ومن أبرز المؤشرات انطلاق الحركة السياسية للبحث في مرحلة ما بعد الانتخابات، على الرغم من بدء عشرات المرشحين إعداد طعونهم بالانتخابات النيابية، من زاوية أن المراجعة القانونية في تقديم الطعن لمن لحقه الضرر سيكون ضد اللائحة المنافسة، فالمرشح الخاسر هنا بطعنه يكون أيضاً يطعن باسم اللائحة التي خسر معها.
مسألة محسومة
إلى ذلك، باتت إعادة انتخاب برّي رئيساً لمجلس النواب مسألة محسومة، من دون أي منافس أو حاجة إلى معركة، على أن الخطوة التالية، بعد اكتمال الصورة المجلسية الجديدة، هي صدور دعوة رئاسية، ربما في 22 من الجاري، للاستشارات الملزمة التي يجريها رئيس الجمهورية لتسمية رئيس الحكومة الجديد، والمرجح هنا إعادة تسمية الحريري، على أن تنطلق بعدها رحلة التأليف والحرب على الحصص وحجم تمثيل كل كتلة ونوعية الوزارات التي يريدها كل طرف، خصوصاً أن مؤشرات المعركة تحيط من الآن وزارات المالية والاتصالات والطاقة والأشغال والصحة والشؤون الاجتماعية.
وبالتزامن مع ذلك، ولتسهيل العمل التشريعي، يُفترض أن تُفتح دورة استثنائية للمجلس بعد 31 من الجاري، موعد نهاية العقد العادي الأول للمجلس، وهو أمر يتم عادة عبر مرسوم يصدره رئيس الجمهورية بالتوافق مع رئيس الحكومة. ولأن الحكومة حكومة تصريف ورئيسها غير مكتمل الصلاحيات، فقد يتم الركون إلى المادة 33 من الدستور التي تحدد باباً آخر لفتح الدورة الاستثنائية، عبر طلب من الأكثرية المطلقة من عدد أعضاء المجلس، أي 65 نائباً.
وفي سياق متصل، ستبرز على طريق التأليف مسألة الفصل بين النيابة والوزارة. وهذا الأمر يحتاج إلى تعديل دستوري في المادة 28 من الدستور التي تنصّ على الآتي: «يجوز الجمع بين النيابة ووظيفة الوزارة. أما الوزراء، فيجوز انتقاؤهم من أعضاء المجلس أو من أشخاص خارجين عنه أو من كليهم»، إلا إذا ارتأت القوى السياسية أن تعتمد هذا الفصل ذاتياً، بحيث يكون لها أن تختار وزراءها في الحكومة من غير النواب.
اتصالات ومشاورات
ومع انطلاق حركة سياسية لافتة من الاتصالات والمشاورات، بهدف الاتفاق على طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، على مستويي رئاستي مجلس النواب والحكومة، وحلحلة ما يمكن أن يظهر من مطبّات في سياق إعادة هيكلة المؤسسات الدستورية، ولا سيما ما يتعلق بتشكيل الحكومة، التي يعتبرها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون «حكومة العهد الأولى»، أجمعت مصادر سياسية متعددة على ضرورة ألا تتأخر عملية تشكيل الحكومة، على رغم العقد والعراقيل والشروط والشروط المضادة، لأن أي تأخير سيستنزف رصيد العهد، ويعرّض البلاد لخضّات هو في غنى عنها، خصوصاً أن التطورات الحاصلة في المنطقة تفرض نمطاً جدياً من التعامل مع استحقاقات المرحلة.