اتكأ المواطن محمـد العناتي (80) عاماً، على جدار حديدي، لجزيرة تتوسط دوار الشهيد ياسر عرفات، بمركز مدينة رام الله، وهو يرقب الجموع المتدفقة لإحياء الذكرى السبعين للنكبة.
وقال: «كل أيامنا نكبة، فبعد نكبة العام (48) حلّت علينا نكبات ونكبات»، وأضاف الرجل الذي قلّبت سنوات النكبة، أوراق حياته اليومية، متسائلاً: «أليس الدم الذي يراق يومياً على أرضنا نكبة؟ ألا يعتبر الدمار والهدم المستمر لمنازل الفلسطينيين نكبة؟ ألم تكن قوافل الشهداء الذين سقطوا وما زالوا يسقطون على أيدي أصحاب النكبة الأولى، أيضاً نكبة؟ هي سلسلة نكبات مستمرة، وبعد (70) عاماً على وقوعها، ما زال الفلسطينيون يعيشون أحداث نكبتهم الأولى «الكبرى» بصور وأشكال عديدة مختلفة، ففي الشتات اليوم ملايين الفلسطينيين، يعيشون بعيدين عن أرضهم وممتلكاتهم، التي هُجّروا منها بالقوة.
وقد صبغ الاحتلال، ذكرى النكبة لهذا العام، بالدم، ما جعل إحياءها يتخذ شكل الاحتجاج الصارخ والمواجهة العنيفة، فقد خرج المواطنون الفلسطينيون بالآلاف لإحياء الذكرى الأليمة، من خلال مسيرات العودة، التي تحولت في مواقع عديدة، إلى مواجهات صاخبة، سقط فيها عدد من الشهداء والجرحى، بفعل الرصاص الحي والمطاطي، والغاز المسيل للدموع.
ورغم أن التطورات السياسية الأخيرة، لا سيما فشل المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، أدت إلى تراجع آمال اللاجئين الفلسطينيين، الذين شرّدتهم النكبة، بالعودة إلى أرضهم وممتلكاتهم، طبقاً لما نصت عليه القرارات الدولية، إلا أنها لم تترك كما يبدو، آثاراً على مواقفهم وأحلامهم ومشاعرهم، تجاه قضيتهم.
مشاعر الحنين
فثمة قاعدة اجتماعية ترى أن تشاؤم العقل لا يلغي مشاعر الحنين والذكريات والعواطف، وأشكال الارتباط الوجداني بين الإنسان ووطنه الضائع. «كيف لنا أن ننسى وطننا وأرضنا»، قال الحاج علي اليوسف (82) عاماً، اللاجئ من قرية البرج قضاء الرملة، ويعيش في مخيم الأمعري، واستدرك: حتى أطفالنا الصغار، نربيهم ونعلمهم أن أرضهم وبلدهم هناك، قرب الرملة ويافا وحيفا وعكا، وأن المخيم هذا، ما هو إلا ممر مؤقت، على طريق العودة.
وأضاف لـ«البيان»: «أطفالنا يلوموننا لأننا خرجنا من بلداننا، لكننا نُفهمهم بأن عودتنا حتمية، وهي إن لم تتحقق في حياة هذا الجيل، جيل النكبة، فإنها ستتحقق في حياة الأجيال القادمة». ولم يفقد هذا الرجل الثمانيني، الذي خرج من قريته شاباً، وأمضى بقية حياته في المخيم، أمله بحلول يوم يسترد فيه أرضه، التي ما زال يعرف ثناياها بالشبر، مهما طال الزمن، وتغيرت الأحوال.
ولا يخلو مخزون الذاكرة لدى جيل النكبة، من قصص تتحدث عن وجع النكبة وما نتج عنها من نكبات أخرى متلاحقة، لا يوجد ما يؤشر على قرب انتهائها، طالما استمر الاحتلال، الذي ما زال يجثم كصخرة كبيرة، على صدر الشعب الفلسطيني، وأرضه، لكن يقين هؤلاء بالعودة، يبقى مصدر قوتهم، الذي يستلهمون منه الصبر على وجع السنين الغابرة.
وفي كل عام، يتجدد ألم النكبة، في نفوس من عايشوا الحدث، ومعه يجددون التأكيد على تمسكهم بالعودة، حتى لو كان ذلك من خلال الأجيال الناشئة، التي عاشت تفاصيل النكبة في روايات الآباء والأجداد الذين فقدوا كل شيء، الأرض، والشجر والحجر، لكنهم لم يفقدوا أمل العودة، رغم قسوة السنين، التي أطالت عليهم عودتهم.
تمرّ الذكرى الـ(70) لنكبة فلسطين، بالتزامن مع مسيرات العودة، لتبقى الجراح تنزف، والنكبات تتعاقب، ويبقى الآباء ينسجون لأبنائهم الحكايات عن حراثة أرضهم، ومحصول قمحهم، الذي تركوه أخضر، وما زال ينتظر الحصاد، فيما الصغار يحفظون أمانة الكبار، فتراهم يقبضون على المفاتيح الحديدية، وأوراق الطابو، بانتظار اليوم الذي تُقرع فيه أجراس العودة، فلتُقرع.